2025-12-14

٤ يناير ٢٠١٢
الفلسفة هي واحدة من أقدم مجالات البحث. بينما يعد السلوك الخارج عن السيطرة والذي يغذيه الكحول والمخدرات الأخرى أحد أقدم المشكلات في العالم. ما الذي يمكن أن يقدمه هؤلاء القدامى لبعضهم البعض؟ للفلسفة علاقة طويلة ومستقرة مع العقل، وبشكل أكثر تحديداً، ثمة علاقة بين العقل والعواطف والإرادة. في حين يبدو أن الإدمان ينطوي على التنازل التام عن العقل، والتشابك الفوضوي للعواطف، ونقص الإرادة.
ههنا سأقدم فكرة الإدمان كموضوع للبحث الفلسفي، لسبب ما. أنا فيلسوفة، نعم، ولكني أيضاً مدمنة على الكحول تركت الشرب لأكثر من 24 عاماً ـ وكانت الأعوام الأربعة الأخيرة منها فقط كجزء من برنامج للتعافي. كثيراً ما أسأل: كيف تمكنت من البقاء دون كحول طوال تلك السنوات الـ 19 الأولى، وقد كان ذلك بسبب الفلسفة التي ولدت في داخلي التزاماً بعيش حياة مدروسة، وأعطتني الأدوات والمفاهيم اللازمة للقيام بذلك. إن تدريبي في الفلسفة الأخلاقية هو من جعل من الطبيعي بالنسبة لي أن أتصارع مع قضايا الشخصية والمسؤولية والحرية والرعاية والرحمة في كل من العمل والحياة.
لقد كانت الفلسفة دائماً تدور حول السعي وراء المعرفة، ولكنها معرفة تضمنت الهدف الأسمى المتمثل في عيش حياة جيدة وعادلة. وقد تضمّن هذا المسعى فحص طبيعة كل شيء تقريباً. كان السؤال الإرشادي لسقراط هو “ما هو/هي؟” يمكن أن يكون ذلك الـ “هو/هي” الذي يتسائل عنه هو العدالة أو التقوى أو الجمال أو الشجاعة أو الاعتدال أو المعرفة. بالنسبة لسقراط، هذه هي الفضائل الحاسمة التي يجب أن تدور حولها الحياة. كانت أجندة سقراط هي رسم الخط الفاصل بين ما يبدو عادلاً أو تقوياً، وما هي العدالة أو التقوى، في الواقع. باسم سقراط، يقدم أفلاطون الأدوات القوية للتحليل المفاهيمي والاستعارة التي يمكن تطبيقها بشكل مثمر على الأسئلة المتعلقة بالإدمان.
في سعيه للمعرفة حول طبيعة الفضائل، كان على سقراط أولاً أن يفضح الآراء الشعبية حولها. وقد اتخذ فضح الزيف شكل حوار، مع أنه في الواقع كان أشبه باستجواب للشهود. لقد بحث سقراط عن الجوهر أو الخاصية الضرورية أو السمة التي لا يمكن التخلص منها والتي تجعل أفعالاً معينة تقية أو عادلة. وقام سقراط بالتحقيق في كل تعريف قدموه له من خلال طلب الأمثلة، والضغط على تلك التعريفات، وقلبها رأساً على عقب، وتوسيع نطاق هذا التعريف لمعرفة ما إذا كانت هناك أشياء غريبة قد تتبعه، واستكشاف ما سيلي عندما يتم وضع تعريف معين موضع التنفيذ والتنقيب عن الفرضيات الخفية وراء تلك التعريفات.
هذا ليس عملاً ساحراً تماماً ولكنه حيوي في السعي وراء المعرفة من أي نوع. دفع هذا النوع من العمل فيلسوفَ القرن السابع عشر جون لوك إلى وصف نفسه بأنه عامل مساعد، يعمل على تمهيد الأرض وإزالة الأوساخ التي تعترض طريق اكتساب المعرفة. نحن نسمي هذا العمل الآن التحليل المفاهيمي، وهو أحد أقوى الأدوات التي يجب على الفيلسوف أن يستخدمها.
كيف يمكن للفلسفة أن تقترب منا أو أن تزودنا بفهم أفضل للإدمان؟ وقد يسأل سقراط: “ما هو الإدمان؟” ولن يكون وحده في ذلك، فالأطباء النفسيون وعلماء النفس ومستشارو الاعتماد على المواد الكيميائية والأشخاص في برامج التعافي في جميع أنحاء العالم يطرحون هذا السؤال باستمرار. لقد دخل علماء الأعصاب الآن في المعركة بحثاً عن السبب والإدارة الفعالة للإدمان. ومع ذلك، لا يوجد إجماع. لا يزال تعريف الإدمان مجالاً للنقاش الساخن. ولكن على الرغم من الاختلاف في التعريف، فإن أغلبنا قادر على التعرّف على بعض السلوكيات والمواقف التي يتحول فيها الاستخدام “العادي” للكحول أو غيره من المخدرات إلى الاعتماد المدمر.
يمكن العثور على نوع من الاعتراف في فحص القصة الرمزية، وهي في هذه الحالة مألوفة جداً لدى أفلاطون. من الواضح أن القصة الرمزية – وهي القصة التي تعمل بمثابة استعارة ممتدة ولها معانٍ حرفية ومجازية – ليست علماً. لكنها توفر إمكانية الحصول على نوع من البصيرة التي لا يستطيع التحليل المفاهيمي تقديمها. تسمح لنا القصة الرمزية بتفكيك العديد من تلك الأبعاد التي تفلت من الوصف العلمي، ومن خلال رمزية الكهف التي يقدمها أفلاطون في “الجمهورية” لرسم الخط الفاصل بين المظهر والحقيقة، لدينا أداة قوية محتملة لفهم أزمة الشخص المدمن. باختصار، استعارة أفلاطون هي كما يلي:
ثمة كهف وفيه سجناء مكبلون بالسلاسل في مواجهة الحائط. لا يمكنهم تحريك رؤوسهم، وبالتالي لا يمكنهم النظر إلى الجانب أو إلى الخلف، يمكنهم فقط النظر إلى الأمام. وخلفهم توجد نار مشتعلة ونصف جدار حيث يحمل محرك الدمى دماه التي تلقي بظلالها. بالنسبة للرجال المقيدين، الظلال حقيقية، وليس لديهم تصور للأشياء التي تسبب الظلال. اختلط المظهر بالحقيقة، وبالتالي لا توجد معرفة حقيقية.
تخيل الآن أن السجناء قد تم إطلاق سراحهم من أغلالهم. ينظرون خلفهم ويرون الأشياء التي تسببت في وجود تلك الظلال. على الأرجح سيكونون مرتبكين ومذعورين وغير راغبين في قبول هذه الأشياء على أنها هي التي تسببت في الظلال. تخيل الآن أن السجناء بدأوا بمغادرة الكهف، سوف يصابون بأذى في أعينهم بشكل مؤلم بمجرد أن يواجهوا الضوء. وبمجرد أن تبدأ أعينهم في التكيف، سيرون أمامهم عالماً قاسياً ومشرقاً مع مجموعة كاملة من الأشياء المرعبة. وسيهرب بعض الرجال عائدين إلى مكان آمن في الظلام والظلال، لأنهم يفضلون المألوف على غير المألوف. وأي شخص يعود ويخبر أصدقاءه الذين لا يزالون مقيدين بما رآه سيعتبر معتوهاً يفتقر إلى أي مصداقية.
الرجال الآخرون، بمجرد أن تتكيف أعينهم بشكل كامل مع الضوء، سيرغبون في البقاء على الأرض. ويدرك هؤلاء أن عالم النور هو العالم الحقيقي حيث تكون المعرفة الحقيقية ممكنة. لكن، هناك نقطة أخرى يجب وضعها في الاعتبار، ألا وهي أن بعض الأشخاص الذين رأوا نور الحقيقة والواقع سيحتاجون إلى الذهاب إلى الكهف لمساعدة أولئك الذين لا يزالون مقيدين، في مغادرة الكهف. وهذا هو واجب الفيلسوف، بحسب أفلاطون.
هذه الاستعارة رائعة للغاية لفهم الإدمان والانتكاس والتعافي. معظم الأشخاص الذين يتحولون إلى مدمنين يصبحون مقيدين بالمخدرات التي يختارونها. كلمة “الإدمان” تأتي من الفعل اللاتيني “addicere”، ويعني الاستسلام أو التكريس أو الخضوع. في حالة العديد من مدمني الكحول، على سبيل المثال، بما فيهم أنا، هذا ما يحدث بالضبط. إن ما بدأ كاستخدام ممتع وغير ضار، أصبح مزعجاً ومؤلماً ويصعب إيقافه. يصبح المدمن على الكحول مقيداً بسلاسل الكحول بطريقة تختلف عن الآخرين الذين “يشربون بشكل طبيعي”.
في سيناريوهات الإدمان المختلفة، يكون تركيز الشخص المدمن على حقيقة الظل – وهي الحقيقة التي لا تتوافق مع العالم خارج نطاقه – واضحاً للآخرين. عندما تصبح التكلفة الشخصية للشرب أو تعاطي المخدرات ملحوظة، فلا يزال من الممكن شطبها أو تبريرها باعتبارها مجرد أمر غير عادي. ويميل المدمنون إلى توجيه أنشطتهم حول سلوكهم الإدماني، فقد يتخلون عن الأصدقاء والأنشطة التي لا يكون فيها شرب الكحول أو تعاطي المخدرات جزءاً أساسياً. وقد يعزل بعضهم أنفسهم، بينما يغير آخرون دائرة أصدقائهم ليكونوا مع أشخاص يشربون أو يتعاطون بالطريقة نفسها التي يفعلونها. إنهم ينخرطون في تفكير كحولي خاطئ ولكنه مقنع، وهم على استعداد لاتخاذ أي إجراء كدليل على عدم وجود مشكلة لديهم، ولن يقنعهم أي قدر من المنطق الذي يخالف ذلك. في كل مرة يتعهد فيها المدمن بالتقليل أو التوقف ولا يفعل، تصبح القيود أكثر إحكاماً حوله.
ومع ذلك، ولأسباب عديدة، يبدأ بعض الناس في التملص من قيود الإدمان. سواء كان ذلك بسبب تعرضهم لتجارب تخيفهم حتى الموت (وهو أمر شائع) أو فقدان شيء مهم حقاً (وهو أمر شائع أيضاً)، يبدأ بعض الأشخاص في إخراج أنفسهم من القيود. الأشخاص الذين وصلوا إلى الإدمان في وقت لاحق من حياتهم لديهم الكثير من الذكريات عما يمكن أن تكون عليه الحياة الرصينة. ولذلك سيتمكن البعض من الاستدارة ورؤية النار ونصف الجدار والتعرف على الدمى المسببة للظلال. أما أولئك الذين بدأ تعاطيهم للمخدرات والشراب في سن مبكرة جداً لدرجة أن هذا هو كل ما يعرفونه حقاً، سيواجهون في كثير من الأحيان الخوف والارتباك الذي وصفه أفلاطون. ولكن كما يحدث أحياناً أثناء التعافي، يمكنهم البدء بالخروج من الكهف أيضاً.
يمكن أن يكون سطوع الضوء مؤلماً، كما يدرك العديد من الأشخاص المدمنين على الكحول أو المخدرات بمجرد توقفهم عن التعاطي. أولئك الذين يشربون أو يتعاطون المخدرات لتخدير المشاعر أو تجنب الذكريات المؤلمة قد يشعرون بالعجز، ولهذا السبب سوف يتراجعون إلى ظلام الكهف المألوف. وسيجدون الراحة عند عودتهم إلى أصدقائهم الذين يشربون. وهذه إحدى الطرق لفهم الانتكاس.
والبعض الآخر سوف يخرج من الكهف وستتكيّف أعينهم. وسوف يكافحون من أجل البقاء أنقياء من الكحول ومتوازنين. الكثير من سلوكيات التكيف القديمة لن تجدي نفعاً، وسيواجهون مهمة لا نهاية لها على ما يبدو تتمثل في تعلم كيفية إعادة بناء حياتهم العاطفية. وقد يبقى البعض نظيفاً ونقياً لفترة جيدة ثم ينتكس لاحقاً. ينتكس الناس لأسباب عديدة، وغالباً ما تتعلق هذه الأسباب بطرق التفكير والتصرف القديمة النمطية التي تؤدي إلى عودة قوية. وعندما ينتكس الأشخاص الذين شعروا ببعض النقاء، ويعودون إلى ظلام الكهف، فقد يُقابلون بالسخرية – على طريقة “لقد أخبرتك من قبل بذلك”.
أولئك الذين يتمكنون من الخروج من الكهف ولا ينتكسون مرة أخرى نادرون للغاية. إنهم يعرفون مدى هشاشة نقاوتهم وما يتعين عليهم فعله للحفاظ عليها. غالباً ما يكون الأشخاص الذين يتمتعون بالنقاوة على المدى الطويل هم الذين يحتاجون إلى العودة إلى الكهف، ليس كمنقذين، ولكن من أجل بقائهم على قيد الحياة. غالباً ما يقول الأشخاص الذين قضوا سنوات من النقاوة إن الوافدين الجدد يساعدونهم على البقاء ممتنعين، لأن آلامهم وخسارتهم وارتباكهم لاتزال جديدة وحاضرة. وتُذكّر قصصُهم القدامى بتلك الحياة المقيّدة داخل الكهف. ويمكن للقدامى أيضاً مشاركة قصصهم، وفي ذلك يقدّمون طرقاً مختلفة للوجود في العالم.
بالطبع، قصصنا حقيقية وشخصية للغاية، ولكنها مثل القصص الرمزية يمكنها أن تمارس قوة تحويلية. ويمكن أن يأتي التحول من مصادر عديدة، بما في ذلك بعض الأبحاث الأقدم والأكثر عمقًا في الفلسفة. كهف أفلاطون، قطة مونتين، قفزة الإيمان عند كيركغارد، أسطورة العود الأبدي عند نيتشه، الذبابة في زجاجة فيتغنشتاين، والمفاهيم النسوية للهوية الذاتية – على سبيل المثال لا الحصر – وكل هؤلاء رفاق جاهزون في السعي لفهم تعقيدات الإدمان والانتكاس والشفاء.
الكاتبة: تدرّس الفلسفة ودراسات الجندر والمرأة والجنسانية في كلية غوستافوس أدولفوس. أحدث كتبها هو “الأخلاق وصيغة حياتنا المعقّدة: ميتا-أخلاق نسوية على خطى فتغنشتاين”. تعمل حالياً على كتاب جديد بعنوان “على الثلج وعلى الحافة: شكل من أشكال الحياة، الفلسفة والإدمان”.
المترجم: كاتب ومترجم سعودي.
المُراجع: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
In the Cave: Philosophy and Addiction
Peg O’Connor
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
