2025-09-30
“في ملعب كرة القدم كل شيء ينبض بالحياة، كل الأشياء نُفخ فيها شيء من الروح”. سايمون كريتشلي
أذكر أني حرصت على مشاهدة مباراة المنتخب السعودي ضد المنتخب الأرجنتيني في مونديال 2022 عبر شاشة عملاقة على رصيف مقهى عام مكتظ بالمشجعين – وهذه عادة لديّ في بعض المباريات المختارة، بأن أشاهدها مع أكبر عدد ممكن من الناس – كانت تلك المباراة، بالنسبة لي وللكثيرين من نوع المباريات التي لا تُنسى، ربما يصلح أن نسميها حدثًا وجوديًا، فهي عادةً خبرة لا تتكرر مرتين، وتبقى محفورًا في الذاكرة الشعورية، لا يُمحى أثرها بسهولة.
خلال سير المباراة الدرامية، وسط هتاف الحضور وصرخات الحماس، انخرطت فجأةً في لحظة تأمل حول المكان. حضور كلي، سكون وصمت أخفى حتى ضجيج السيارات بالخارج. كانت أعين الجميع مثبتة على الشاشة. في تلك اللحظة تحديدًا، شعرت أنها لم تكن مجرد لحظات عابرة، بل خبرة حضور تامة. ربما لا توجد خبرة تعبّر عن الوجود الحي والانغماس في الحاضر أكثر من لحظات كرة القدم هذه، حيثُ الوعي في أقصى درجات يقظته، هي أشبه ما تكون بلحظة تناغم تامة بين الذات والجسد والعالم.
كل مشجع كرة قدم يعرف أن التسعين دقيقة ليست مجرد زمن يتدفق، بل هو زمن آخر مختلف، زمن ممتد وغامر بمشاعر الأمل والترقب والتوتر والانفعال. لحظات الحسم تحديدًا تُخرِج وعي الإنسان من كل شرود ذهني ممكن وتضعه بكليّته في “هنا والآن”. الوعي في تلك اللحظة يُصبح في حالة حضورٌ نقي. لا شيء يُشبه هذه اللحظة إلا تلك اللحظات النادرة في الحياة التي تخرج الشخص من ذاتيته ليكون حاضراً بكل وعيه وجسده وجوارحه.
تتجلى خبرة كرة القدم تلك مع نشوة الفوز الكروية – خصوصًا تلك التي تأتي بعد تراكم الخسارات أو فجائية الانتصار – تكتسب عمقًا شعوريًا لا يوصف. ليس لأنها فقط لحظة انتصار، بل لأنها اختزال لكل العواطف والانتماءات والهويات والذكريات والآمال التي يحملها المشجع، هي أقرب ما تكون للحظة الحضور السعيد الخالص.
كثير من المشجعين يعرفون لحظة سخاء كرة القدم هذه؛ على سبيل المثال، مشجعي الهلال يتذكرون جيدًا لحظة هدف سالم الدوسري الحاسم في مرمى أوراوا الياباني عام 2019، بعد انتظار دام أكثر من ثمانية عشر عامًا من الإحباطات القارية، كنا شهود على شعور لا يمكن تفسيره إلا بهذه الخبرة الشعورية الغامرة. كل مشجع يتذكر نبرة صوت المعلق فهد العتيبي عندما صرخ حينها: “عالمية… عالمية يا هلال”. لم تكن مجرد صرخة للمشجعين؛ كانت إعلان للفرح الجماعي، لحظة طال انتظرها، لحظة تجاوز عقدين من الإحباطات والإخفاقات المتتالية، لحظة نادرة يُمحى فيها كل إخفاق سابق لتتولد على أثره ذكرى فرحة خالدة.
هذا الشعور نفسه قد تلمسه حين تشاهد لقطات لهدف مانشستر سيتي في الدقيقة 94 ضد كوينز بارك رينجرز في موسم 2011–2012، الهدف الذي جلب لفريق المدينة الأقل حظًا من غريمه أول لقب دوري بعد غياب نصف قرن، أو حين أحرز سالم الدوسري هدفه في مرمى الأرجنتين في مونديال 2022، أو مؤخرًا مع صافرة حكم المباراة التي أعلنت عن انتصار الهلال على فريق مانشستر سيتي ذاته في كأس العالم للأندية 2025.
كل المتابعين للكرة الأوروبية كذلك يعرفون لحظة هدف برشلونة السادس ضد باريس سان جيرمان في ليلة الريمونتادا الشهيرة؟ الهدف الذي وصفه المعلق عصام الشوالي ببراعة بالهدف “الأنطولوجي”، كان حدثًا خارقًا في عالم ومنطق كرة القدم: انقلاب غير ممكن من خسارة 4-0 في الذهاب إلى فوز 6-1 في الإياب، مع تسجيل ثلاثة أهداف في سبع دقائق أخيرة كان يُعتقد أنها مستحيلة.
إن كرة القدم تجعل هذه تلك الخبرة ممكنة على المستوى الفردي والجماعي في آنٍ واحد. شعور المشجع في لحظة الانتصار لا ينبع فقط من خبرته الذاتية، بل أكثر من ذلك من الجماعة التي ينتمي إليها، لحظة صافرة الحكم في مباراة تاريخية هي لحظة تعبير عن الفخر الجماعي. لحظة تصفيق الغرباء، لحظة عناق مع غريب بجوارك في المدرج، لحظة صراخ جماعي تتوحد فيه الجماعة، لحظة لا تعود فيها فردًا، بل تصبح جزءًا من ذات جماعية تنبض بالفرح.
مثال آخر لتلك الحالة الجماعية نجدها في مدرجات كرة القدم عندما يدرك المشجع أنه جزء من لوحة واحدة تُرسم “بالتيفو” الجماعي، يرفع المشجع قطعة بلاستيكية ليُساهم في رسم لوحة لا يرى نتيجتها النهائية، لكنه يعرف أن عليه أن يرفعها لتكتمل اللوحة، لأن هناك كلاً أكبر منه، يمثله الفريق والهوية الواحدة هوية يريد لها أن تظهر بأجمل حلة. لحظة التيفو تجربة تشبه غيرها من الطقوس الجماعية، حيث يتنازل الإنسان عن شيء من فردانيته لصالح معنى وغاية أسمى.
كرة القدم خبرة متصلة داخل دورة لا تنتهي، فدائمًا هناك مباراة قادمة، موسم جديد، منافس مختلف، تحدٍّ ينتظر. كرة القدم عود أبدي، تكرار لا يُملّ منه، لكنه ليس تكرارًا عبثيًا، بل تكرار محمّل بالمعنى. حتى الخسارة لا تُطفئ أمل المشجع، بل تزيده حماسًا لما سيأتي، وتدفعه لنسج احتمالات جديدة في خياله، والفائز لا يكتفي، بل يشتعل طمعًا في المزيد. ولذلك لا شيء يكرهه المشجعون كفترات توقف المنافسات الدولية أو الصيفية؛ تلك اللحظات التي يتوقف فيها كل شيء، تُطفأ فيها شعلة المنافسة، ويتبخر لهيب الترقب،. كرة القدم بهذا المعنى ليست فقط لعبة، بل استمتاع برتابة التكرار، اندماج في دوائر الزمن التي تمنح الحياة إيقاعها الفريد.
ولعل نيتشه حين قال: “عندما يعرف المرء سبب يعيش من أجله، يستطيع تحمل أي شيء تقريبًا” كان يتحدث بلسان حال المشجع الذي يتحمل الهزائم لأنه يعرف أن هناك دوماً معنى آخر، مباراة قادمة، لحظة مجد وأمل تلوح في الأفق، أو بتعبير كروي لمدرب كرة القدم لويس إنريكي: “في الحياة، تمامًا كما في كرة القدم، تفوز أو تخسر، وعليك أن تتعلم كيف تخسر”.
مع ذلك للتشجيع جوانبه الأخرى شأن أي ظاهرة إنسانية، فعلي القول بصراحة أن التشجيع الرياضي مثال صارخ للتحيز بكل أشكال. في الفلسفة نعدُ التحيزات خطيئة عقلية وعائقًا أمام الحقيقة حتى وإن آمنا بحتميتها، فإننا تتعامل معها كشر لابد منه، شرٌ ينبغي التخفف منه بكل أداة ممكنة. في كرة القدم يختفي قلق التحيزات هذا.
يبدو من السهل لأي متابع لكرة القدم أن يخمن من القال أنني مشجع هلالي، وهو تخمين صحيح، أنا أنتمي للهلال، حدث ذلك ربما بسبب صدفة مكانية، أو تأثير شقيقي الأكبر وأصدقاء الحارة، لا أجد حرجًا بأن أصرح بذلك دون حرج حتى في سياق فلسفي –حقيقةً لا أفهم لماذا يتحرج البعض عن إظهار ميولهم في كرة القدم؟–. لم أقرر يومًا تشجيع الهلال بعقلانية، تمامًا كما لم أقرر إضافة تشجيع برشلونة لاحقًا بتأثير غير عقلاني من سحر البرازيلي رونالدينيو. ومع ذلك أجد في هذه الانتماءات والتحيزات اللاعقلانية متعة خاصة. أدرك لا عقلانيتها، وأدرك كم هي تحيزات عمياء أحيانًا، ومع ذلك أستمتع بها حد النشوة.
على النقيض، هناك جانب مقابل من التشجيع يعطينا نافذة لرؤية الأثر السلبي للتحيزات دون حرج. يمكنك أن تلحظ في مواقع التواصل أو أي جلسة عائلية أو نقاش جانبي في العمل أخذ منحنى كروي كيف أن كل مشجع يرى فريقه مثال الخير والنزاهة، وخصمه مثال الشر والخداع. هذه الحالة المتطرفة من التحيز تسمح للمراقب القريب بأن يدرك التحيزات بدقة وهي تعمل من الداخل، الأمر الذي من شأنه أن يمنحه –إن كان يقظًا كفاية– نوعًا من الاستبصار حول آليات النفس البشرية وكيف تُعيد تشكيل الواقع وفقًا لانتماءاتها.
هناك جانب آخر لطيف في تشجيع كرة القدم، وهو أنه يُشكل أرضية تواصل بين البشر من مختلف الأعمار والخلفيات. يمكنني أن أتحدث عن المباراة السابقة مع طفل في الحادية عشرة بنفس مستوى الحماس والتفكير الذي أتحدث فيه مع مدير شركة، جربت هذا بنفسي. وكثيرًا ما وجدت تحليلات هؤلاء الصغار لا تقل جودة عن تفسيرات وتأويلات البالغين. البعض يعد هذا عيبًا حيث أن الجميع مهما كان مستواه الإدراكي والمعرفي في كرة القدم مخول أن يبدي رؤية تحليلية وموقف نقدي تجاه لاعب أو فريق أو مدرب. شخصيًا اعتبرها على النقيض ميزة ً وليس عيبًا في الواقع، حيث أن هذه المساحة الواسعة والمتسامحة للتعبير والنقد تتيح اتصال لم يكن ليحدث لولاها. فهي تخلق مجالًا إنسانيًا مشتركًا وقاسمًا وجدانيًا بين مختلف الفئات والشرائح، كرة القدم نافذة واسعة ومتاح دومًا للحوار والتواصل والتعبير عن الرأي والموقف.
ربما يرى البعض أيضاً في تشجيع كرة القدم أمرًا سطحيًا ونزعة عاطفية غير جادة، ولا تمت لعمق الفلسفة بصلة. لكن كل إنسان عاش خبرة أن تكون مشجعًا لفريق كرة قدم ، يدرك أنها جزء أصيل من حياته. كرة القدم خبرة إنسانية أصلية؛ فهي تمنح الإنسان لحظات لا تُنسى، وتحمل كثافة شعورية نادرة، وتخلق تجارب تواصلية عميقة. إنها أكثر من مجرد لعبة أو رياضة، إنها نافذة وجودية غامرة بالحياة بكل تجلياتها.
الهوامش:
لويس إنريكي، مدرب منتخب إسبانيا سابقًا، تصريح صحفي عقب الخروج من كأس العالم قطر 2022، El País، ديسمبر 2022.
