2025-07-10

٢٠ أغسطس ٢٠١٨
لا نرى المشكلة مع أهميتنا الذاتية لأن نرجسيتنا مكتملة
على مرّ التاريخ كانت فكرة “أن تكون إنسانًا” تعني بالتأكيد – وستظل تعني- أشياء كثيرة مختلفة. لا توجد ولم توجد إجابة واحدة فقط. لكن من المؤكد أن الشيء الوحيد الذي يجب أن تتضمنه الإجابة اليوم هو القدرة على إدراك أن السؤال نفسه يمثّل مشكلة.
نحن البشر شديدو التركيز على الذات. نميل إلى الاعتقاد بأن كونك إنساناً يعتبر أمرًا مميزا ومهمًا إلى حد ما، لذلك نسأل عن هذا الأمر تحديدا بدلاً من السؤال عما يعنيه أن تكون فيلًا أو خنزيرًا أو طائرًا. هذا الفشل في الفضول هو جزء من مشكلة أخلاقية كبيرة.
السؤال ، “ما معنى أن تكون إنسانًا؟” ليست مجرد نرجسية، إنها تنطوي على انغلاق مُذنب. يشبه سؤالنا هذا أن نسأل، “ما معنى أن تكون أبيض؟” فهو يشير ضمنيًا إلى الامتيازات غير المستحقة التي تم استخدامها للسيطرة والاستغلال. لكننا عادة لا ندرك هذا لأن نرجسيتنا مكتملة للغاية.
نشارك هذا الكوكب مع مليارات من الكائنات الحية الأخرى التي تملك طرقها المعقدة الخاصة لتحقيق وجودها. تحاول جميع المخلوقات الحيوانية، كما لاحظ أرسطو منذ فترة طويلة، البقاء على قيد الحياة والتكاثر لإنتاج المزيد من نوعها. كل من تلك الكائنات يدرك ويرغب. كما أن معظمهما ينتقل من مكان إلى آخر للحصول على ما يريدون ويحتاجون. اقترح أرسطو أنه يجب أن نسعى جاهدين للحصول على تفسير مشترك لكيفية إدراك الحيوانات، بما في ذلك الحيوانات البشرية، ورغبتها وتحركها.
نعرف أرسطو كفيلسوف، لكنه كان أيضًا عالما عظيما في الأحياء، درس المحّار والمخلوقات الأخرى الكبيرة والصغيرة. شجّع طلابه على عدم الابتعاد عن دراسة الحيوانات التي لا تبدو ساحرة، حيث يوجد شيء رائع في كل منها، ليس أقلها حقيقة أنهم جميعًا يسعون لاستمرار الحياة.
هذا الشعور بالدهشة الذي يجب أن يقودنا إلى اهتمام أخلاقي أكمل، يعدّ جزءً عميقاً من إنسانيتنا. لكن التساؤل آخذ في التلاشي، ونحن البشر الآن نسيطر على الكرة الأرضية لدرجة أننا نادرًا ما نشعر بحاجتنا إلى العيش مع حيوانات أخرى بشروط متبادلة.
تتمتع الحيوانات المستأنسة بامتيازات خاصة، لكنها غالبًا ما تُعامل بقسوة (فكّر في مصانع الجراء، أو القطط الوحشية المهجورة). تعتبر تربية الخنازير والدجاج والحيوانات الأخرى في المصانع شكلاً جديدًا نسبيًا من الوحشية البشعة. أما بالنسبة للكائنات “البرية”، فيمكننا أن نرى أن جرائمنا البشرية لها تأثير مدمّر عليها: الأضرار التي تأتي من الأبحاث المعملية باستخدام الحيوانات؛ الأمراض المتعددة المرتبطة بحبس القردة والفيلة في حدائق الحيوان؛ استنفاد مخزون الحيتان بواسطة الصيد بالحراب؛ حبس الدلافين والحيتان في المتنزهات البحرية؛ الصيد الجائر للأفيال ووحيد القرن لصالح السوق السوداء الدولية؛ الاتجار غير المشروع بالفيلة الأفريقية إلى حدائق الحيوان الأمريكية؛ تدمير بيئة العيش للعديد من الثدييات الكبيرة الناتج عن تغير المناخ. تشير التقديرات الآن إلى أن النشاط البشري قد ساهم في انقراض أكثر من 80 نوعًا من الثدييات.
تنشأ قضايا جديدة باستمرار وهو ما يعني حاجة العالم إلى ثورة أخلاقية. حاجته إلى حركة لرفع الوعي ذات أبعاد دولية حقيقية. لكن هذه الثورة يعرقلها التحديق في سرّة البطن الذي عادة ما يتمثل في سؤال، “ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟”
دعونا نعيد إحساسنا بالدهشة ونوسعه من خلال طرح السؤال التالي: “ما معنى أن تكون حوتًا؟” ثم دعونا نذهب لملاحظة الحيتان بأفضل ما نستطيع ونقرأ البحث المثير للعلماء مثل هال وايتهيد ولوك ريندل. دعونا نسأل عن الأفيال (أكثر الأنواع المحبوبة لدي)، وإذا لم نتمكن من الذهاب في رحلات السفاري، فلنشاهد أفلام الأفيال التي تعيش حياتها ببساطة وتُظهر التفاني المجتمعي والرحمة والحزن ومجموعة من المواقف المعقدة الأخرى التي نميل إليها نحن البشر للاعتقاد بأنها ملكنا وحدنا.
ولنعمل أكثر على الاشتغال الفلسفي والقانوني حول المناهج النظرية لحماية الحيوانات الأخرى وتطوير المزيد من المعاملة بالمثل معها. لدينا الآن كثير من المعلومات العلمية حول تعقيدات حياة الحيوانات وقد حان الوقت لاستثمارها فلسفياً. لقد قام ويل كيمليكا وسو دونالدسون بعمل رائع بشأن المعاملة بالمثل والحياة المجتمعية مع الحيوانات الأليفة، ولكن دائما هناك المزيد للقيام به.
في عالم السياسات التنظيمية المتأثرة بالفلسفة، كان النهج العام الأكثر أهمية لاستحقاقات الحيوانات حتى الآن هو نهج الفيلسوف النفعي البريطاني جيريمي بنثام والذي طوّره الفيلسوف بيتر سينجر بشجاعة واقتدار. لا يزال هذا النهج يحظى بأهمية كبيرة لأنه يركز على معاناة الحيوانات. إذا توقفنا ببساطة عن إلحاق الألم غير المبرر بالحيوانات، فستكون هذه خطوة كبيرة إلى الأمام.
نعلم الآن أن الحيوانات تحتاج إلى أشياء كثيرة لا ينتج عن غيابها معاناة بالضرورة مثل فرصة الارتباط بأفراد من نوعها في التجمعات العادية ومثل فرصة للغناء أو الصراخ بطرقهم المميزة وفرص التكاثر وكذلك فرصة الحركة بحرية عبر الفضاء الخالي من العوائق وكذلك فرصة لمتابعة الفضول والاكتشافات الجديدة. لذلك نحن بحاجة أيضًا، كما أعتقد، إلى نهج يركّز على مجموعة من “القدرات” أو الحريات المتميزة التي يحتاجها كل نوع ليعيش حياة مزدهرة.
أعمل الآن على كتاب جديد أستخدم فيه عملي السابق حول “مقاربة القدرات” capability approach لتطوير إطار أخلاقي جديد لتوجيه القانون والتنظيمات العامة في هذا المجال. لكن أسلوبي هذا ليس سوى طريقة واحدة ويفترض بل ويجب أن يعترض عليه الآخرون الذين يطوّرون نماذجهم الخاصة. يحتاج المحامون الذين يعملون لصالح الحيوانات بموجب كل من القوانين المحلية والدولية إلى مناهج نظرية سليمة، ويجب أن يساعدهم الفلاسفة في عملهم. وهناك الكثير من العمل للقيام به.
لذا لنتخلى عن النرجسية المتمثلة في السؤال عن ذواتنا فقط. دعونا نعمل من أجل عصر يكون معنى أن تكون إنساناً فيه يعني أن تعتني بالكائنات الأخرى التي تحاول أن تسكن هذا العالم.
الكاتبة: مارثا نوسباوم أستاذة شرفية في كلية القانون بجامعة شيكاجو.
المترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
What Does It Mean to Be Human? Don’t Ask
Martha Nussbaum
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
