2025-11-01

٦ مارس ٢٠١٧
*ملاحظة: العبارات داخل الأقواس المتبوعة بعلامة يساوي (= ….) هي من إضافات المترجم لإيضاح العبارة السابقة عليها.
كان الفلاسفة واللاهوتيون المسيحيون يرون أن الإنسان يمتاز عن بقية الحيوانات بتلك الشرارة الإلهية الكامنة فيه. وهذا المصدر الداخلي للنور، أي الروح، لا يمكن فهمه أبداً من الخارج. كما أن هذا المصدر، بطريقة ما، منفصل عن النظام الطبيعي، ولربما أنه يطير بجناحين إلى مكان ما خارقٍ للطبيعة عندما ينهار الجسد ويموت.
هذه الفكرة انهارت مع التطورات الأخيرة للعلوم الوراثية والعصبية وعلم النفس التطوري. لكنها، أي هذه التطورات، أثارت سؤالاً: ماذا نضع محل الروح؟ فمن البيّن، رغم أننا حيوانات مقيدة بشبكة من القوانين السببية التي تربطنا بعالم الحيوان، إلا أننا لسنا مجرد حيوانات.
هناك شيء ما في حالة الإنسان يجعل من الضروري أن نتعامل معه بشكل خاص. تقريباً كل الناس يؤمنون بأن قتل إنسان بريء يعد جريمة، بينما قتل دودة شريطية بريئة لا يعد كذلك. وكذلك كل البشر تقريباً يعتبرون الدودة الشريطية ليست بريئة، ليس لأنها مذنبة، وإنما لأن الفرق بين البراءة والذنب لا تنطبق على الدودة الشريطية. إنه توصيف خاطئ. فهي من نوعٍ لا يسري عليه هذا التفريق.
نحن، مع ذلك، النوع الصحيح من الأشياء. فما هو هذا النوع؟ وهل يدخل معنا فيه كائنات أخرى حيوانية أو غيرها؟ وماذا يلزم عن ذلك؟ هذه الأسئلة تعد أسئلة مركزية في التساؤل الفلسفي اليوم، كما كانت كذلك منذ الإغريق القدماء. يمكن لنا التمييز بين البشر وبقية الأشياء بألف طريقة، ونبني في ضوء ذلك حياتنا. نحن نعتقد أن الناس لديهم حقوق، وأن لهم السيطرة على حياتهم، وأن من يعيش حياته باستعباد الناس الآخرين والإساءة لهم فإنه ينكر إنسانيتهم. وبالتأكيد فهذا الاعتقاد له أساس، كما أن لكل تقاليد أخلاقية وقانونية وفنية وروحية أساس، وهذه التقاليد تجعل تميّز الحياة الإنسانية نقطة انطلاق لها.
إذا كان هناك إله، كما يعتقد الكثير من الناس، وأن هذا الإله خلق الإنسان على صورته، فإننا نحن البشر سنكون بالطبع متميزين عن الطبيعة، كما أن الإله متميز عنها أيضاً. لكن الكلام عن صورة الله ضرب من الاستعارة التي نحتاجها لشرح تميز الإنسان، أي أنه ينبغي التعامل معه كشيء مميز، أو كشيء له هالة مقدسة- وباختصار، ليس “كشيءٍ” على الإطلاق بل “كشخص”.
معظم الآراء الفلسفية في القرن العشرين تطرح مسألة كيف نحدد هذه الحقيقة (= تميز الإنسان) ولكن بلغة علمانية وبدون اللجوء لأفكار دينية. عندما تحدث سارتر وميرلوبونتي عن “النظرة”، وعندما تحدث إيمانويل ليفيناس عن “الوجه” فإنهم كانوا يصفون الطريقة التي يتعالى بها البشر على ما يحيط بهم وعلى كيفية تعاملهم مع بعض بمطالب مطلقة لا تجعلهم مجرد “موضوعات” أو “أشياء”. وبطريقة مشابهة، قام فتغنشتاين بوصف الوجه بأنه روحُ الجسدِ، وكذلك فعلت إليزابيث إنسكوم عندما ميّزت “الفعل القصدي” بوصفه تطبيقاً أو إجابة عن ذات معنى على سؤال (لماذا؟).
البشر يعيشون بإحساس متبادل بالمسؤولية، وكل شخص يكون مسؤولاً أمام الآخر، وكل شخص يكون أيضاً موضوعاً لحكمٍ ما. إن عيون الآخرين تطرح علينا سؤالاً لا يمكن تجنبه، سؤال (لماذا؟). وعلى هذه الواقعة تم بناء صرح الحقوق والواجبات. وهذا، في خاتمة المطاف، هو ما تتكون منه الحرية: المسؤولية والقدرة على تفسير ما نفعل.
لكن علماء النفس التطوري يسردون قصة مغايرة. إنهم يحاججون بأن الأخلاق ضرب من التكيّف. فعندنا تتنافس الكائنات على الموارد، فإن استراتيجية التعاون تصبح أفضل وأطول مدى من استراتيجية الأنانية الخالصة. وهكذا فإن سمات التعاون في الكائنات هي التي سيتم انتخابها عبر الزمان. ويمكن فهم ما هو مميز وخاص بالظرف الإنساني عبر هذه الطريقة: أي بوصفها حصيلة لعملية طويلة من التكيف التي أعطتنا ميزة أخلاقية قوية بحيث نستطيع حل خلافاتنا وصراعاتنا بدون قتال، وإنما عبر تكييف المطالب التي تلح علينا من كل صوب.
إن الأدوات الأخلاقية المذهلة التي حاز عليها البشر – مثل الحقوق والواجبات والالتزامات الشخصية والعدالة والاستياء والحكم والعفو- هي حصيلة آلاف السنين من الصراع. الأخلاق مثل حقل من الزهور يتكدس تحته جثث من ألف طبقة. إنها (= الأخلاق) آلية متطورة جعلت الكائن الإنساني يتقدم في حياته ضمن أطر من المصالح المشتركة.
أنا متأكد تماماً أن الصورة التي رسمها علماء النفس التطوريون صحيحة. لكني متأكد أيضاً أنها ليست الحقيقة كاملةً، وهذا يجعلنا ملزمين الآن بتفسير الشيء الأكثر أهمية: الذات الإنسانية. نحن البشر لا نرى بعضنا كحيوانات، أو أعضاء من نفس النوع؛ لأننا نرتبط ببعضنا بعضاً ليس كموضوعات (= أشياء) بل كذوات تخاطب بعضنا البعض بعبارات (أنا) و(أنت). وهذه النقطة اتخذها مارتن بوبر فكرة مركزية للشرط الإنساني، في كتابه التأملي الغامض والمشهور (أنا وأنت).
نحن نفهم أنفسنا من وجهة نظر الشخص الأول (= ضمير المتكلم)، وبسبب هذا فنحن نوجّه ملاحظاتنا وأفعالنا ومشاعرنا ليس لأجساد الناس الآخرين بل للكلمات والنظرات التي نشأت من الأفق الذاتي الذين يقفون وحدهم فيه.
هذه الحقيقة “الغامضة” تنعكس في لغتنا، وهي مصدر لكثير من المعضلات والمفارقات. فعندما أتحدث عن نفسي بلغة ضمير المتكلم، فإني أنطق “عبارات” وتوكيدات بلا أساس، ومع ذلك، في أغلب الحالات، لا أكون مخطئاً بشأنها. لكني قد أخطئ كلياً فيما يتعلق بالشخص الذي يتكلم (= بتلك العبارات والتوكيدات). فكيف، إذن، أكون متأكداً أني أتحدث عن ذلك الشخص؟ على سبيل المثال: كيف أعرف أني روجر سكروتن وليس ديفيد كاميرون الذي يعاني من أوهام العظمة؟
لنختصر القصة: بالتحدث بلغة الشخص الأول (ضمير المتكلم) يمكننا التلفظ بعبارات عن أنفسنا، وأن نجيب عن أسئلة، وأن ننخرط في نقاش عقلي وفي إزجاء النصح بطرق تتجاوز الطرق العادية في الاكتشاف. وكنتيجة لذلك، فنحن نشارك في حوارات مؤسَّسة على “يقين” بأن- عندما نتحاور أنا وأنت بشكل صادق- ما نقوله هو كلام موثوق: فنحن نتكلم بصراحة وصدق. وهذا هو جوهر لقاء الأنا-والأنت.
وهكذا، فنحن كأشخاص نعيش في عالم لا يمكن رده إلى العالم الطبيعي (=المادي). ومن يفعل ذلك فهو كمن يرد أو يختزل لوحةٍ تفيض بالحياة إلى الخطوط والأصباغ التي تتكون منها اللوحة. إذا كان هذا صحيحاً، فإن ثمة شيئاً يفترض أن يُترك للفلسفة لتعالجه وذلك عبر إيضاح الشرط الإنساني. إن وصف العالم الذي نعيش فيه هو مهمة تقع على عاتق الفلسفة– ولا أقصد هنا العالم الذي تصفه العلوم الطبيعية، إنما العالم الذي يحضر في تعاملاتنا البينية، العالم الذي قامت اللغة بتنظيمه، والذي فيه نلتقي ببعض: “أنا” بـ”أنا”.
الكاتب: مؤلف عدد كبير من الكتب، من بينها –وأحدثها– كتاب “في الطبيعة البشرية” On Human Nature.
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
?If We Are Not Just Animals, What Are We
Roger Scruton
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
