2026-03-19

١٨ مارس ٢٠١٥
نعوم تشومسكي يحاوره جورج يانسي
هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة المقابلات التي أجريها لمنتدى ذا ستون مع بعض الفلاسفة حول مسالة العرق. حوار هذا الأسبوع مع نعوم تشومسكي وهو لغوي وفيلسوف سياسي وأحد أبرز المفكرين الجماهيريين في العالم. ألف تشومسكي العديد من الكتب، منها كتابه مع أندريه فلتشك الذي صدر مؤخرًا بعنوان “عن الإرهاب الغربي: من هيروشيما إلى حرب الطائرات المسيرة”. – جورج يانسي
جورج يانسي: حين أتفكر في عنوان كتابك “عن الإرهاب الغربي” أتذكر أن العديد من السود في الولايات المتحدة قد تعرضوا لتاريخ طويل من الترهيب بسبب عنصرية البيض، من الضرب العشوائي إلى إعدام ما يربو على ثلاثة آلاف من السود (وفيهم نساء) بين عامي 1882م و1968م. لهذا السبب لم أتفاجأ في عام 2003 عندما قرأت عما ارتكب في سجن أبو غريب من أفعال تجرد السجناء من صفتهم الإنسانية. أذكر أن الرئيس جورج بوش الابن قال بعد ظهور الصور إن: “هذه ليست أمريكا التي أعرفها”. لكن أليست هذه هي أمريكا التي لطالما عرفها السود؟
تشومسكي: أمريكا التي “لطالما عرفها السود” ليست جذابة. جُلِب أوائل العبيد السود إلى المستعمرات قبل 400 عام. ولا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن ننسى أن خلال هذه الفترة الطويلة لم يكن هناك إلا بضعة عقود كان لدى الأمريكيين الأفارقة فيها، باستثناء القليل منهم، فرص محدودة للدخول في التيار الرئيس للمجتمع الأمريكي.
كما لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن ننسى أن معسكرات السُّخرة البشعة في “إمبراطورية الحرية” الجديدة كانت مصدرًا رئيسًا لثروة وامتيازات المجتمع الأمريكي، وكذلك إنجلترا وقارة أوروبا. كانت الثورة الصناعية قائمة على القطن الذي كان يتم إنتاجه في الأساس من معسكرات السُّخرة في الولايات المتحدة.
وكما هو معروف الآن كانت كفاءة هذه المعسكرات عالية. زادت الإنتاجية بأسرع مما كانت عليه في الصناعة بفضل تقنية السوط والمسدس والممارسة الفعالة للتعذيب الوحشي، كما وضح ذلك إدوارد بابتيست في دراسته الأخيرة، “نصف القصة الذي لم يُروَ قط”. والثروة الهائلة المتحققة لم تكن للطبقة الأرستقراطية الزراعية فحسب، بل كذلك للأرستقراطية الصناعية والتجارية والمؤسسات المالية الأمريكية والبريطانية في رأسمالية الدولة الحديثة.
مما هو معروف، أو ينبغي أن يكون معروفا، أن الولايات المتحدة تطورت برفضها القاطع لمبادئ “الاقتصاد السليم” التي بشر بها كبار الاقتصاديين في ذلك الوقت، والمألوفة اليوم في التعليمات الصارمة التي تلقى على الدول التي تأخرت في اللحاق بركب التنمية. بدلًا من ذلك، اتبعت المستعمرات المحررة نموذج إنجلترا في تدخل الدولة السافر في الاقتصاد، بما في ذلك الضرائب المرتفعة التي تستهدف حماية الصناعة الناشئة، صناعات النسيج ثم صناعات الصلب وغيرها.
كانت هناك أيضًا “ضريبة افتراضية” أخرى. في عام 1807، وقع الرئيس جيفرسون مشروع قانون يحظر استيراد العبيد من الخارج. كانت ولايته فرجينيا أغنى الولايات وأقواها، ولم تعد بحاجة إلى العبيد، بل بدأت في تصدير هذه السلعة القيّمة إلى مناطق العبيد النامية في الجنوب. كان في حظر استيراد آلات قطف القطن هذه دفعة كبيرة لاقتصاد فرجينيا. وكان هذا مفهوما، فقد تحدث تشارلز بينكني باسم مستوردي العبيد وقال إن “فرجينيا ستكسب بوقف الاستيراد. سترتفع قيمة عبيدها إذ لديها من العبيد ما يفيض عن حاجتها”. وقد أصبحت فيرجينيا بالفعل مُصدِّرًا رئيسًا للعبيد إلى ولايات العبيد النامية.
كان بعض مالكي العبيد، كجيفرسون مثلا، يعرفون الفساد الأخلاقي الذي يقوم عليه الاقتصاد، لكن جيفرسون كان يخشى من تحرير العبيد ممن لديهم “آلاف الذكريات” عن الجرائم التي تعرضوا لها. والمخاوف من احتمال ثورة الضحايا وانتقامهم لها جذور عميقة في الثقافة الأمريكية، ونجد صداها حتى في وقتنا الحاضر.
أنهى تعديل الدستور الثالث عشر العبودية رسميًّا، ولكن بعد عقد من الزمان تم تقديم “العبودية باسم آخر”، وهذا عنوان دراسة مهمة قام بها دوغلاس بلاكمون. وقعت جرائم بحق السود من خلال استهدافهم بقوانين شديدة القسوة. سرعان ما أتيح شكل من أشكال العبودية أكثر نفعا لمشاريع الزراعة والتعدين والصلب، وهو أكثر نفعا لأن مسؤولية الحفاظ على القوة العاملة من العبيد كانت تقع على الدولة، وليس على الرأسماليين، حيث كان السود يُعتقلون دون أسباب حقيقية ويُسجنون ويُشغَّلون لمصلحة هذه المشاريع. وبذلك أسهم النظام مساهمة كبيرة في التطور الصناعي السريع من أواخر القرن التاسع عشر.
ظل هذا النظام ساريًا إلى حد كبير إلى الحرب العالمية الثانية التي زادت من الطلب على العمالة المجانية لصناعة الحرب. تلت ذلك عقود قليلة من النمو السريع الذي اتسم نسبيًا بقدر من المساواة، لعبت فيه الدولة دورًا في التنمية الاقتصادية أكثر أهمية من أي وقت مضى. قد يحصل الرجل الأسود على وظيفة طيبة في مصنع نقابي، وقد يشتري منزلًا ويرسل أولاده إلى الجامعة، وغير ذلك من الفرص الأخرى. فتحت حركة الحقوق المدنية مجالات أخرى، وإن كان ذلك بطرق محدودة. من الأمثلة على ذلك مصير جهود مارتن لوثر كينغ في مواجهة العنصرية الشمالية ونشأة حركة الفقراء التي تمت عرقلتها فعليًا.
ردة فعل الليبرالية الجديدة التي بدأت في أواخر السبعينيات وتصاعدت في عهد ريغان ومن أتى بعده، أضرت بأفقر قطاعات المجتمع وأكثرها اضطهادًا أكثر من الضرر الذي لحق بالأغلبية العظمى التي عانت من ركود وتراجع نسبي بينما تراكمت الثروة في أيدي القلة. حرب المخدرات التي شنها ريغان واتسمت بالعنصرية الشديدة من حيث التصور والتنفيذ دشنت ما أطلق عليه ميشيل ألكسندر “جيم كراو جديد”، وهو المصطلح الملائم لإحياء الجرائم بحق السود، وأوضح ما يكون ذلك في معدلات الاحتجاز الصادمة وأثرها المدمر على مجتمع السود.
إن الواقع بالطبع أعقد من أي تلخيص مبسط، لكن هذا للأسف تقدير أولي ودقيق إلى حد معقول لإحدى الجريمتين التي أُسِّس عليها المجتمع الأمريكي؛ الجريمة التي تعرض لها السود إلى جانب ما تعرضت له الشعوب الأصلية من طرد وإبادة وتدمير لحضاراتهم الغنية والمركبة.
جورج يانسي: ربما كان جيفرسون يعي الفظاعة الأخلاقية التي قامت عليها العبودية، إلا أنه يقول في كتابه “ملاحظات حول ولاية فرجينيا” إن “السود بليدو الخيال وأقل عقلا من البيض وأن ذكور قرود الأورانغوتان يفضلون النساء السود على نسائهم”. عملت هذه الأساطير إلى جانب قوانين السود التي أعقبت الحرب الأهلية على الاستمرار في قمع السود ومراقبتهم. ما الأساطير والقوانين المعاصرة في رأيك التي تم سنها لمواصلة قمع ومراقبة السود اليوم؟
تشومسكي: لم يكن للأسف جيفرسون وحده في ذلك. ولسنا بحاجة إلى النظر فيما عدا ذلك من عنصرية صادمة عرفتها الدوائر المستنيرة حتى وقت قريب جدًا. أما ما يتعلق بـ “الأساطير والقوانين المعاصرة” فأود أن أنزل عند العديد من المقولات البليغة التي يتشدق بها أولئك الذين يراقبون وأحيانا يجربون الرواسب المرة لهذا الماضي المشين.
لعل أكثر الأساطير المعاصرة رعبا تلك التي تقول أن شيئا من هذا لم يحدث قط. وعنوان بابتيست جدُّ مناسب والآثار التي تركها قلما تجد من يعرفها أو يفهمها.
هناك شكل مختلف وشائع مما يسمى أحياناً بـ “التجاهل المتعمد” لما تزعجنا معرفته: “نعم، حدثت أشياء سيئة في الماضي، ولكن دعونا نجعل كل ذلك وراءنا ونسير نحو مستقبل مشرق، يتساوى فيه الجميع في تقاسم حقوق المواطنة وفرصها.” إن الإحصائيات المروعة المتعلقة بظروف حياة الأمريكيين من أصل أفريقي اليوم يمكن مواجهتها برواسب مريرة أخرى من الماضي المخزي، أو بإلقاء اللائمة على دونية السود الثقافية، أو بما هو أسوأ من ذلك، بنسيان أن قدرا كبيرا من ثرواتنا وامتيازاتنا كان نتيجة لقرون من التعذيب والهوان الذي كنا نحن المستفيدين منه وظلوا هم ضحاياه. أما التعويض الجزئي وغير الكافي الذي تمليه الأخلاق، فذلك إما أمرٌ ممقوتٌ أو هو في غياهب النسيان.
يُحسب لجيفرسون على الأقل اعترافه أن العبودية التي شارك فيها كانت “طغيانًا لا هوادة فيه من طرف السادة، وخضوعًا مهينًا من طرف العبيد”. نجد على نصب جيفرسون التذكاري في واشنطن كلماته التي قال فيها: “إنني في الواقع أرتعد خوفا على بلدي عندما أتذكر أن الله عادل، وأن عدالته لا تمهل إلى الأبد”. هذه كلمات يجب أن تبقى حية في وعينا، هي وتأملات جون كوينسي آدامز حول الجريمة الأساسية المماثلة، أعني مصير “ذلك العرق البائس من الأمريكيين الأصليين، الذي نبيده بمثل هذه الوحشية الغادرة والقاسية … خطيئة من خطايا هذه الأمة الشنيعة، خطيئة أعتقد أن الله سيحاسبنا عليها يوما ما”.
أهم ما في الأمر حكمنا نحن الذي ظل مقموعا لفترة طويلة، وكذلك موقفنا العادل منها الذي لم يكد يلتفت إليه أحد حتى الآن.
جورج يانسي: ومن الممكن أيضًا استخدام هذا “التجاهل المتعمد” للحقائق المزعجة حول معاناة الأمريكيين من أصل أفريقي لتأطير إبادة الأمريكيين الأصليين. كان عالم التصنيف السويدي كارولوس لينيوس في القرن الثامن عشر هو الذي قال بأن الأمريكيين الأصليين كانوا يتسمون بصفات لا تنفك عنهم مثل “ميلهم إلى الغضب”، وهذه أسطورة تتوافق مع تبرير حاجة الأمريكيين الأصليين إلى “التحضر” على يد البيض. لذلك، هنا كذلك بعض الأساطير. لكن كيف يسهم “فقد الذاكرة” لدى أمريكا الشمالية اليوم في صور العنصرية الموجهة على وجه الخصوص إلى الأمريكيين الأصليين وفي الإبادة الجماعية المستمرة بحقهم؟
تشومسكي: بدأت الأساطير المفيدة هذه في وقت مبكر، وتستمر حتى وقتنا الحاضر. صدرت إحدى الأساطير الأولى رسميًا بُعَيْد منح ملك إنجلترا ميثاقًا لمستعمرة خليج ماساتشوستس في عام 1629، أعلن فيه أن تحول الهنود الأصليين إلى المسيحية هو “الغاية الأساس لهذه المستعمرة”. وعلى الفور ضرب المستعمرون الختم العظيم للمستعمرة الذي يصور هنديًا يحمل رمحًا يشير إلى الأسفل في إشارة إلى السلام، وتخرج من فيه لفافة عليها عبارة تناشد المستعمرين “تعالوا وساعدونا”. ربما كانت هذه أولى حالات “التدخل الإنساني” – وللغرابة تبين أنها كغيرها من حالات التدخل الإنساني الأخرى.
ثم بعد سنوات، تحدث قاضي المحكمة العليا جوزيف ستوري عن “حكمة العناية الإلهية” التي تسببت في اختفاء السكان الأصليين كما تختفي “أوراق الخريف المتساقطة” رغم أن المستعمرين “كانوا يحترمونهم باستمرار”. غني عن القول إن المستعمرين الذين لم يسلكوا مسلك “التجاهل المتعمد” كانوا أعرف بالأمر وأعرفهم بذلك الجنرال هنري نوكس مثلا، وزير الحرب الأول للولايات المتحدة، كان قد وصف “الإبادة التامة لجميع الهنود في أحفل أجزاء الاتحاد بالسكان [بوسائل] أكثر فتكا بالهنود الأصليين من تلك التي استخدمها غزاة المكسيك والبيرو.”

ومضى نوكس محذرًا من أن “المؤرخين في المستقبل قد يلونون أسباب هذا الدمار للجنس البشري بألوان قاتمة”. قلة قليلة فعلوا ذلك ومنهم البطلة هيلين جاكسون، التي قدمت في عام 1880 وصفًا تفصيليًا لذلك “الوحي الكئيب للكفر، والمعاهدات المنتهكة، وأعمال العنف غير الإنسانية [التي] ستكون وصمة عار على جبين من يحبون بلادهم.” لم يُبَع من كتاب جاكسون هذا إلا نسخ قليلة، فقد لقي الإهمال والرفض، واحتُفي بالرواية التي قدمها ثيودور روزفلت، الذي أوضح أن “توسع الشعوب ذات الأصل الأبيض أو الأوروبي خلال القرون الأربعة الماضية … كان فيه خير دائم لمعظم الشعوب التي كانت قاطنة في الأراضي التي حدث فيها هذا التوسّع، ولا سيما أولئك الذين تم “استئصالهم” أو طردهم إلى مجاهل العوز والبؤس.”
لقد التقط الشاعر الوطني والت ويتمان هذا الفهم العام عندما كتب أن “الزنوج سيُقضى عليهم كما قُضي على الهنود؛ إنه قانون الأعراق والتاريخ … تأتي نوعية متفوقة من الفئران ثم تزول كل الفئران الدنيا.” ولم يتسن الحديث عن حجم الفظائع ونوعها في الدوائر العلمية وإلى حد ما في الوعي الشعبي إلا في الستينيات من القرن الماضي، ولا يزال الطريق أمامنا طويلا.
ليس هذا إلا النزر اليسير من سجلٍّ صادمٍ للإمبريالية الإنجليزية ونسختها الاستعمارية الاستيطانية، وهي إمبريالية تفضي بالنهاية إلى “الإبادة التامة” للسكان الأصليين وإلى “التجاهل المتعمد” من جانب المستفيدين من هذه الجرائم.
جورج يانسي: ردك هذا يثير مسألة الاستعمار باعتباره شكلًا من أشكال الاحتلال. كتب جيمس بالدوين، في مقالته التي نشرها عام 1966 بعنوان “تقرير من الأراضي المحتلة”، أن “هارلم خاضعة للرقابة مثل الأراضي المحتلة”. هذا الاقتباس ذكرني بمدينة فيرجسون بولاية ميزوري، حيث قارن بعض المتظاهرين في فيرجسون ما كانوا يرونه بما يجري في قطاع غزة. هل لك أن تتحدث عن هذا الخطاب المقارن للاحتلال؟
تشومسكي: كل أنواع المقارنات ممكنة. عندما ذهبت إلى قطاع غزة قبل بضع سنوات، سرعان ما تبادرت إلى ذهني تجربة السجن – بتهم العصيان المدني، مرات عدة – والشعور الذي لا يعرفه أولئك الذين عاشوا حياة تمتعوا فيها ببعض الامتيازات – بأنك تحت سيطرة سلطة خارجية تعسفية، وقاسية إن شاءت أن تقسو. لكن الفروق بين الحالتين كبيرة بالطبع.
بشكل عام، تساورني شكوك إلى حد ما حيال قيمة مثل هذه المقارنات التي ذكرت. لا شك أن هناك سمات مشتركة بين الأنواع العديدة والمتنوعة من السلطات غير الشرعية والقمع والعنف. قد تساعدنا مثل هذه المقارنات على الفهم في بعض الأحيان، كما هو الحال مثلا في مصطلح ميشيل ألكسندر “جيم كراو الجديد” الذي ذكرناه سابقًا. وفي كثير من الأحيان قد تطمس مثل هذه المقارنات فروقا مهمة. وبصراحة لا أرى شيئا عامًّا ذا بال يمكن قوله بهذا الصدد، ويجب تقييم كل مقارنة على حدة.
جورج يانسي: هذه الاختلافات كبيرة وأنا بالتأكيد لا أريد الخلط بينها. يبدو أن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر قد فتح المجال لإجراء بعض المقارنات. ويبدو أن البعض يعتقد أن المسلمين من أصل عربي قد حلوا محل الأمريكيين من أصل أفريقي باعتبارهم المنبوذين في الولايات المتحدة. ما وجهة نظرك حول هذا الأمر؟
تشومسكي: للعنصرية ضد العرب المسلمين تاريخ طويل، وهناك قدر لا بأس به من الأدبيات حول هذا الموضوع، ومن ذلك دراسات جاك شاهين حول صورتهم النمطية في وسائل الإعلام المرئية على سبيل المثال. ولا شك أنها قد ازدادت في السنوات الأخيرة.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك التي يمكن ذكرها توافد الجمهور بأعداد قياسية لمشاهدة فيلم، وصفه قسم الفنون في صحيفة نيويورك تايمز بأنه “صورة للرجل الوطني المؤيد لقيم العائلة”، وهو فيلم عن قناص يدّعي أنه الفائز ببطولة قتل العراقيين خلال غزو الولايات المتحدة، ويصف ضحاياه بفخر بأنهم “متوحشون حقيرون شريرون… ولا أجد أفضل من هذا الوصف لمن واجهناهم هناك”. كان هنا يشير على وجه التحديد إلى أول من قتلهم هناك، امرأة كانت تحمل قنبلة يدوية عند تعرضها لهجوم من قبل القوات الأمريكية.
ما يهم ليس عقلية القناص، بل رد الفعل على مثل هذه الأعمال الاستغلالية في الداخل عندما نغزو وندمر دولة أجنبية، حتى لا نكاد نميز بين “رأس حقير” وآخر. تعود هذه المواقف إلى عبارة “المتوحشين الهنود الذين لا يرحمون” التي وردت في إعلان الاستقلال، ووحشية وشيطانية غيرهم ممن هم على شاكلتهم منذ ذلك الحين، خاصة عندما تستدعى بعض الأوصاف “العنصرية” – كما هو الحال عندما أعرب ليندون جونسون عن أسفه قائلًا إننا لو تخلينا عن حذرنا، فسنكون تحت رحمة “كل قزم أصفر يحمل في جيبه سكينا”. أما داخل الولايات المتحدة فقد تم الحد من العنصرية ضد العرب والمسلمين بين الجمهور إلى حد ما، على ما أعتقد، رغم وقوع بعض الحوادث المؤسفة.
جورج يانسي: أخيرًا، إن واقع العنصرية واقع سامّ، سواء كانت العنصرية ضد السود أو العرب أو اليهود، أو غيرهم. رغم أنه لا يوجد حل واحد للعنصرية، وذلك بسبب تجلياتها المختلفة، لكن ما هي في نظرك بعض المتطلبات اللازمة لإنهاء الكراهية العنصرية؟
تشومسكي: من السهل طرح الإجابات المعتادة: التعليم، وتقصي أسباب الداء ومعالجتها، والانضمام للعمل على مشاريع مشتركة – كانت النضالات العمالية مثالًا مهمًّا – إلى ما هنالك من إجابات. وكلها صحيحة، وقد حققت الكثير. من المبكر جدًّا القول إن العنصرية قضي عليها، ولكنها لم تعد كما كانت منذ وقت ليس ببعيد، وذلك بفضل هذه الجهود. إنه طريق طويل وصعب، وليس هناك عصا سحرية على حد علمي.
المُحاور: أستاذ الفلسفة في جامعة دوكيسن. لقد كتب وحرر وشارك في تحرير العديد من الكتب، بما في ذلك كتاب “أجساد سوداء، نظرات بيضاء”، وكتاب “انظر، رجلٌ أبيض!” وكتاب “السعي وراء ترايفون مارتن”، الذي شارك في تحريره مع جانين جونز.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المُراجع: مترجم ومؤلف سعودي.
Noam Chomsky on the Roots of American Racism
George Yancy and Noam Chomsky
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
