2026-01-04

١٦ مايو ٢٠١٦
*ملاحظة: العبارات داخل الأقواس المتبوعة بعلامة يساوي (= ….) هي من إضافات المترجم لإيضاح العبارة السابقة عليها.
كل يوم، يظهر لنا بعض الأشخاص الأذكياء ليخبرونا أننا لا نعرف ما هو الوعي. يقولون إن طبيعة الوعي لغزٌ مذهلٌ. في مواد ويكيبيديا نقرأ دائماً: الوعي “هو أكثر الجوانب غموضاً في حياتنا”. أما الفلاسفة “فقد بذلوا كل ما في وسعهم ليفهموا طبيعة الوعي”.
أجد أن ذلك غريبٌ لأننا نعرف بالضبط ما هو الوعي، بحيث أعني بكلمة “وعي” ما يقصده معظم الناس في مثل هذا النقاش: أي الخبرة بأي نوع كانت. إنه الشيء الأكثر مألوفية، سواء أكان خبرةً عاطفيةً أو خبرة بالألم، أو فهماً لما يقوله شخص ما أو يراه أو يسمعه أو يلمسه أو يتذوقه أو يشعر به. الوعي، في الواقع، هو الشيء الوحيد في الكون الذي نعرف طبيعته الداخلية. إنه ليس لغزاً على الإطلاق.
إن طبيعة الأشياء الفيزيقية على العكس من ذلك هي الأكثر إلغازاً، بل إن علم الفيزياء أصبح أكثر غرابة. (يقول رتشارد فاينمان عن نظرية الكم: “أعتقد أني أستطيع أن أقول بثقةٍ إنه لا أحد يفهم ميكانيكا الكم”، وقوله هذا صحيح). أو بالأحرى، لنقل: طبيعة الأشياء الفيزيقية (= المادية) ملغّزة باستثناء الوعي إذا سلمنا بأنه ذو طبيعة فيزيقية. هذه الفكرة، المدهشة في أول الأمر، صاغها جيداً برتراند راسل عام ١٩٥٠ في مقاله (العقل والمادة)، حيث يقول: “نحن لا نعلم شيئاً عن الطابع الداخلي للحوادث الفيزيقية، إلا إذا كانت هذه الحوادث ذات طابع عقلي نخبرها بشكل مباشر”. ففي امتلاكنا لخبرة واعية، يزعم راسل، فإننا نتعلم شيئاً ما حول الطابع الداخلي للأشياء الفيزيقية لأن الخبرة الواعية ذاتها هي ضرب من الأشياء الفيزيقية.
أعتقد أن راسل على حق؛ فالخبرة الإنسانية الواعية هي بكاملها حدث فيزيقي يجري في الجسد، وتحديداً في الدماغ. لكن لماذا قال أننا لا نعرف شيئاً عن الطابع الداخلي للحوادث الفيزيقية باستثناء الحوادث العقلية التي نخبرها مباشرة؟ هل كان يبالغ؟ لا أعتقد ذلك، وسأشرح الأمر. لكن أحتاج أولاً إلى الرد على أولئك (ربما الفلاسفة) الذين يشكون في معرفتنا بماهية الخبرة الواعية.
الرد بسيط. نحن نعرف ماهي الخبرة الواعية لأن امتلاكنا إياها يعني معرفتنا بها. امتلاك خبرة واعية هو بذاته معرفة بها. ليس عليك أن تفكر في الخبرة (ولربما أنه من الأفضل جداً عدم ذلك). يكفي فقط أن تمتلكها. صحيح أن الناس يقعون في أخطاء متنوعة فيما يتعلق بالخبرات الواعية التي يملكونها، لكن ليس هناك خطأ من تلك الأخطاء يمسّ المعنى الجوهري لما نقول وهو أن خبرتنا لها تكمن في امتلاكنا إياها.
“تمام. لكن ما هو بالضبط؟”. عند هذه النقطة يبدأ الفلاسفة بطرح أمثلة: اشتمام رائحة الثوم، معاناة الألم، الشهوة. يذكر راسل “الشعور ببرودة الضفدع (الحي)”. بينما يفكر جون لوك (في عام ١٦٨٩) في مذاق الأناناس. وإذا استمر أحد يسأل (ما هو الوعي؟) فالرد الأفضل (مع أن فتغنشتاين سيرفضه) هو “أنت تعرف ما هو عبر تجربتك الخاصة”. يجيب نيد بلوك من خلال تبني جواب لويس آرمسترونج الذي يردده دائماً عندما سأله أحد الأشخاص (ما هو الجاز؟)، فقال: “إذا كان عليك طرح سؤال كهذا، فإنك لن تعرف أبداً”.
إذن نحن كلنا نعرف ما هو الوعي. وعندما نكون واضحين هنا، فعندها يمكن اكمال النقاش، لأن الوعي في نهاية الأمر يطرح مشكلة عويصة. المشكلة ناجمة من حقيقة أننا نقبل أن الوعي كلياً هو مجريات مادية فيزيقية، لكن لا نعرف كيف أن هذا ممكن. نحن نفحص الدماغ بشكل مفصل، ونستعمل تقنيات فائقة مثل التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي ونلاحظ الحوادث الكهروكيموعصبية المعقدة، لكننا لا نستطيع فهم كيف أن هذه الحوادث أو المجريات يمكن أن تكون (أو تسبب) خبرات واعية.
كان الفيلسوف الألماني لايبنتز قد أشار إلى ذلك بوضوح في عام ١٧١٤. يقول: “الإدراك أو الوعي لا يمكن إيضاحه عبر المبادئ الميكانيكية، أي عبر الشكل والحركة. إذا تخيّلنا آلة (مكينة) ذات بنية تسمح لها بالتفكير والإحساس والوعي، فإننا يمكن أن نفهمها مكبرةً بحيث نستطيع الدخول فيها كما لو كانت طاحونة”- (فكر في فيلم الرحلة الرائعة عام ١٩٦٦، أو تخيل مساح عملاق للدماغ) – يكمل لايبنتز: “افترض أن هذا حصل. لن يمكننا أبداً أن نجد أي شيءٍ سوى أجزاء تدفع بعضها بعضاً، لن نجد شيئا يشرح لنا ما الوعي”.
صحيح أن الفيزياء الحديثة وعلوم الأعصاب قدمت صورة معقدة وفائقة للدماغ، لكن ملاحظة لايبنتز الأساسية تظل صحيحة.
إن خطأه هو أنه تجاوز إلى أبعد من ذلك واستنتج أن الحوادث الفيزيقية لا يمكن أن تكون قطُّ حوادث واعية. الكثيرون وقعوا في هذا الخطأ اليوم- هذا الخطأ الفادح (كما قد يعبر ويني ذا بو) – أي الاعتقاد أننا نعرف طبيعة الأشياء الفيزيقية بما يكفي لنعرف أن الخبرة الواعية لا يمكن أن تكون فيزيقية. وهذا غير صحيح؛ نحن لا نعرف الطبيعة الداخلية للأشياء الفيزيقية، إلا – حسب راسل مرة أخرى- إذا كنا نعرفها ببساطة عبر حيازة خبرة واعية (= عنها).
نحن نجد هذه الفكرة صعبة للغاية لأننا بعمقٍ ملتزمون بالاعتقاد أننا نعرف عن الشيء الفيزيقي أكثر مما نظن، و(بشكل محدد) أننا نعرف ما يكفي لنعتقد أن الوعي لا يمكن أن يكون فيزيقياً. نحن لا نعي أن المشكلة الصعبة ليست في (ما هو الوعي؟)، بل في (ما المادة؟) – ما الشيء الفيزيقي؟
نحن، ربما، نعتقد أن الفيزياء تحل تلك المشكلات. صحيح أن الفيزياء جميلة ومدهشة، وتخبرنا عن الكثير من الحقائق حول البنية التي يمكن وصفها بشكل رياضي عن الواقع الفيزيقي، حقائق تعبر عنها بأعداد ومعادلات (ط = ك.س² أو قانون التربيع العكسي للجاذبية، أو الجدول الدوري للعناصر أو غير ذلك)، وأننا يمكن أن نبني من تلك الحقائق اختراعات تقنية مذهلة. صحيح، لكن الفيزياء لا تخبرنا أي شيءٍ عن الطبيعة الداخلية للأشياء التي تشكّل هذه البنية. الفيزياء صامتة، صامتة كلياً وللأبد، فيما يتعلق بهذه المسألة.
هذه المسألة كان شائعة قبل مائة عام، لكنها أصبحت منسية في النقاشات المتأخرة حول مفهوم الوعي. لقد أبرزها ستيفن هوكنج، بشكل درامي، في كتابه (تاريخ موجز للزمان). يقول: “الفيزياء ليست إلا مجموعة من القواعد والمعادلات”. السؤال المُلّح هو “ما الذي ينفخ نار الحياة في تلك المعادلات ويصنع الكونَ الذي تصفه تلك المعادلات؟” ما العنصر الجوهري للواقع الفيزيقي، الشيء المبني بالطريقة التي تكشف عنها الفيزياء؟ مرة أخرى، الجواب: لا ندري، إلا إذا اتخذ ذلك الشيء شكلَ خبرةٍ واعية.
يمكن لنا القول إن “الطاقة” هي ذلك الشيء الذي ينفخ النار في تلك المعادلات. ونحن نستعمل كلمة “الطاقة”، كما يفعل هايزنبرج عندما قال: “كل الجزيئات مصنوعة من العنصر نفسه: الطاقة”. لكن السؤال الأساسي يظهر مرة أخرى: “ما الطبيعة الداخلية لهذه الطاقة، هذه الطاقة-الشيء؟ والجواب، كذلك، هو: لا ندري؛ فلا يمكن للفيزياء أن تعرف ذلك، فهو ليس عملها. حقيقة أن الفيزياء محدودة ولا تخبرنا بشيء عن هذه الأمور واضحة ومؤكدة. وهي معروفة حتى قبل أن نبدأ محاولة فهم كثير من المشكلات العميقة التي تنشأ في الفيزياء: مشكلة “المادة المظلمة”، و”الطاقة المظلمة” على سبيل المثال. أو مشكلة المواءمة بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية العامة.
إن أولئك الذين يقعون في الخطأ الفادح (أي الاعتقاد بأنهم يعرفون ما يكفي حول طبيعة الأشياء الفيزيقية ليعرفوا أن الوعي ليس فيزيقياً) ينقسمون إلى فريقين: الفريق الأول ما يزال مؤمناً بصلابة أن الوعي موجود، ويستنتجون من ذلك أن هناك إذن شيئاً غير فيزيقي. وهؤلاء “ثنائيون” (= الاعتقاد بوجود نوعين من الأشياء: أشياء عقلية وأشياء مادية). أما الفريق الآخر فيتمسك تماماً بفكرة أن كل شيء فيزيقي، ويمثلون تياراً غير مألوف على مدى الفكر البشري: إنهم ينكرون وجود الوعي. وهؤلاء يسمون بـ”الحذفيين” (= يحذفون الظواهر العقلية والذهنية أو يفسرونها بأنها عمليات مادية كالعمليات العصبية والتفاعلات الكيميائية في الدماغ).
هذا الرأي العجيب (إنكار وجود الوعي) سيكون موضوعاً لنقاش آخر، لكن النقطة الراهنة، وتستحق أن نعيدها مراراً، هي أنه لا يجب لأي أحد أن يتصرف بأي من هاتين الطريقتين. ما ينبغي عليهم فعله هو فهم المسألة الجوهرية: مسألة أننا لا نعرف الطبيعة الداخلية للأشياء الفيزيقية رغم كل ما تعلمنا إياه الفيزياء (= علم الفيزياء). بشكل أكثر تحديداً، نحن لا نعرف أي شيء عما هو فيزيقي بحيث يمكّننا من أن نقول إن الوعي ليس كلياً شيئاً فيزيقياً. ومن المفيد أن نضيف أن المرء يمكن أن يقبل تماماً هذا الاعتقاد حتى ولو لم يرِد أن يتفق مع راسل أننا بحيازة خبرة واعية نكون على علمٍ بالطبيعة الداخلية للواقع الفيزيقي.
إذن المشكلة الصعبة هي مشكلة المادة (الأشياء الفيزيقية عموماً). إذا قدمت الفيزياء أي ادعاءٍ لا يمكن التوفيق بينه وبين حقيقة أن خبرتنا الواعية هي نشاط دماغي، فإن هذا الادعاء، كما أرى، هو ادعاء كاذب. لكن الفيزياء لا تدعي ذلك. الصورة الفيزيائية للمادة ليست هي المشكلة، إنما الصورة العادية اليومية لها. من الطريف أن الناس الذين يمكن أن يشكوا في وجود الوعي أو حتى ينكروه (على أساس أن كل شيء فيزيقي، وأن الوعي لا يمكن أن يكون فيزيقياً) هم نفسهم الناس الذين يصرون على أولوية العلم، لأن العلم بالضبط هو ما يجعل الفكرةَ الأساسية التالية تشع وضوحاً: فكرةَ أن ثمة أفقاً أساسياً لا يمكن لنا فيه أن نعرف الطبيعة الداخلية القصوى للأشياء إلا ما يتعلق بالوعي.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في جامعة تكساس في أوستن، وهو مؤلف أحدث كتبه “لوك والهوية الشخصية: الوعي والاهتمام”.
المُترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
المُراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
.Consciousness Isn’t a Mystery. It’s Matter
Galen Strawson
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
