2026-01-11

٢٠ مايو ٢٠١٩
القوة هي الثقة في التعبير عن نفسك
من المنطقي أن أكون كاتبة، وهذا يسمح لي أن أكتب مسوّدات، وأن أتردد، ثم أعيد الكتابة مرات عديدة قبل أن أقول أي شيء يمكنني التعايش معه إلى الأبد.
في عام 1976، هاجرت أنا ووالدتي ووالدي وشقيقتي إلى الولايات المتحدة. كنت في السابعة من عمري. انتقلنا من سيول إلى نيويورك، وسجلنا أبي، أنا وأخواتي في مدرسة بي. أس. 102 في إلمهرست، بحي كوينز. لا أحد منا نحن الفتيات كانت تجيد الإنجليزية آنذاك.
منذ أيام سيول، كنت طفلة هادئة متململة، ولديها مشاكل في الانتباه. لقد وجدت المدرسة والصداقات صعبة، وزاد الأمر سوءًا عندما انتقلت إلى بلد جديد. كانت الأسابيع القليلة الأولى في أمريكا صعبة. فقد وجدتُ فتاة كورية أخرى في الفصل. مثلي، كانت لها عينان صغيرتان. وخلافا لي، كانت تعرف اللغة الإنجليزية ولديها أصدقاء. وقد أرادتني أن أبقى بعيدًا.
ذات يوم في الفصل، كنت بحاجة للذهاب إلى الحمام، ولم أكن أعرف ماذا أفعل. وتجهمت الفتاة الكورية عندما اقتربت منها، لكنها رحمتني وأرشدتني إلى أن أرفع يدي وأقول: “باسروم Bassroom”.
نطقت بتلك الكلمة الأجنبية، وضحك الأطفال. وسلمني المعلم كتلة خشبية بالية، كانت بمثابة تصريح للخروج إلى الرواق. وبعدها، نادراً ما تحدثت في المدرسة، إلا حين كنت بحاجة إلى إذن للذهاب إلى دروة المياه.
السنوات التي تلت ذلك لم تكن مختلفة كثيراً. أنجزت واجباتي وكنت أتطلع إلى قضاء الوقت مع أخواتي اللواتي كنّ يحمينني. وتعلمت قراءة الإنجليزية، وشققت طريقي عبر رفوف الكتب المستعارة من مكتبة إلمهرست العامة.
في عامنا الأول في أمريكا، كان والدي يدير كشكًا لبيع الصحف في بهو مبنى مكاتب كئيب. ثم لاحقاً، امتلك والدَيّ متجراً صغيراً لبيع المجوهرات في مانهاتن، يبيع الحُليّ المقلّدة للبائعين المتجولين ومحلات بيع الهدايا. وكانا يعملان ستة أيام في الأسبوع.
في المدرسة الثانوية 73 في ماسبث، نيويورك، كان لدي معلم رائع اسمه السيد سوسيس، الذي قام بتدريسنا القانون، واختارني كعريفة للفصل. وكان يسمح للعرفاء بتناول الغداء في صفه، ولا أعرف ما إذا كان يعرف ذلك أم لا، لكنه أنقذني من رعب غرفة الغداء في المدرسة الإعدادية ومن حقيقة أنني لم أكن أعرف كيف أتصرف مع الأطفال في مثل سني.

كان لدي مدرسون جيدون آخرون، مما جعلني أتحدث أكثر قليلاً. وشاركت في مسرحية مدرسية، وعندما انسحبت ممثلة، تم منحي دورها لأنني كنت قد حفظت بالفعل كل السطور. وبالنسبة لحصة القانون، أجريت محاكمة صورية، ولم أكن سيئة الأداء.
ثم التحقت بمدرسة برونكس الثانوية للعلوم، حيث ذهبت أختي الكبرى، وهناك قررت أن أتعلم كيف أتحدث جيدًا. كطفلة مهاجرة، مررت مسرعة بقراءة لويس لينسكي، ومود هارت لوفليس، وبيفرلي كليري، وجودي بلوم، ثم من خلال ديكنز، وهمنغواي، وأوستن، وسنكلير لويس، ودوستويفسكي – وكل الكتب التي أوصى بها أمناء المكتبات والمعلمون الطيبون.
في الكتب الغربية، يتحدث الأبطال بطلاقة، ويمكنهم التعامل مع أي وضع اجتماعي، ليس فقط من خلال أفعالهم، ولكن أيضًا من خلال الجدل والمناظرة. في كوريا، كانت الفتاة فاضلة إذا ضحت من أجل عائلتها أو أمتها، ولكن في الغرب، كانت الفتاة جديرة بالاحترام إذا كانت جريئة، وكانت تستطيع التحدث حتى عندما تخاف. عندما كنت طفلة، كنت أشاهد الكوريين ينتقدون الرجل لكونه يتحدث ولا يعمل. أما في أمريكا، فيُعتبر الرجل غبيًا أو ضعيفًا إذا لم يستطع الدفاع عن نفسه.
كلا الأمرين كانا صحيحين: لم أرغب في الحديث، ولم أرغب في أن يظن أحد أنني غبية. في سنتي الأولى، انضممت إلى فريق المناظرة. بالكاد كنت أتمكن من إدارة المحادثات الجماعية مع زملائي، لكنني اعتقدت أنه من الضروري تعلم كيفية الجدل. لكن، بدت لي المناظرات شبه مستحيلة. كنت مناظرة سيئة، لكن ذلك كان أفضل من لا شيء. لقد فعلت ذلك لمدة عام قبل الإقلاع التام عنها.

ذات يوم، لاحظت ملصقاً في القاعة عن صفوف صيفية في مدرسة هوتشيكس، والذي يقدم مواد اختيارية لا تتوافر في مدرسة برونكس ساينس. أرسلتُ أطلب الحصول على جدول الصفوف، فوجدت صفاً في فن الخطابة. فطلبت من والديّ المال حتى أتمكن من الالتحاق به، وقد أعطياني إياه رغم أنه كان، بلا شك، مبلغاً كبيراً بالنسبة لهما. في مدرسة هوتشيكس، كلفنا المعلم بمهام من مثل سرد طرفة طويلة، وشرح قطعة فنية، وإقناع المستمع بموقف لا يحظى بشعبية. قلت طرفة طويلة ولم يضحك أحد. لم أكن جيدة جداً، لكنني بدأت أفهم البلاغة. في الصيف التالي، أرسلت بالبريد للحصول على كتيب آخر، هذه المرة من أكاديمية فيليبس إكستر، وحصلت على دورة أخرى في الخطابة العامة.
عندما ذهبت إلى جامعة ييل، شعرت بأن زملائي الذين التحقوا بالمدارس الخاصة التي زرتها خلال الصيف قد تفوقوا عليّ. تحدثوا بسهولة عن الموسيقى والفن والأماكن البعيدة وكتبوا أوراقًا جميلة عن الكتب التي لم أقرأها. يعرف بعضهم اللاتينية واليونانية. بينما تعثرت في صفوفي الدراسية والعلاقات الرومانسية غير الحكيمة. تخصصت في التاريخ، وبدون خطة واضحة، التحقت بكلية الحقوق في جورج تاون.
لم أفكر مرة واحدة في أن أصبح محامية في ساحات التقاضي، لأن ذلك بدا لي أشبه بالمناظرة الاحترافية. اعتقدت أنني سأكون أكثر ملاءمة كمحامية في شركة. رأيت أن عليّ أن أسعى لأن أكون في وضع مالي أفضل من والديّ اللذين عمِلا طوال العام بلا إجازات في متجر ضعيف التدفئة، يقتصدان في كل شيء لسداد إيجار مالكٍ جشع كان يرفض القضاء على الجرذان الضخمة التي كانت تجوب القبو.
بعد سنتي الأولى في جورجتاون، ذهبت إلى مكتب الخدمات المهنية لأنني كنت بحاجة إلى أن أتعلم كيفية إجراء مقابلة عمل. وبلطف، قالت لي المستشارة المهنية، وهي امرأة بيضاء مسنة، “عليك أن تعتزي بمدى روعتك. أنت فتاة آسيوية، وعندما تعتزين بذاتك، فإنك تلعبين ضد الصورة النمطية للشرقي الوديع. لن يظن القائم بإجراء المقابلة أنك بصدد المفاخرة أبدًا. أنا لا أعطي هذه النصيحة للرجال البيض المندفعين”.
كانت تخبرني كيف سيراني العالم. كان عليّ أن أتحدث، وكان عليّ أن أبني نفسي، لأن الآخرين قد يرونني أقل مما أنا عليه. وعلى الرغم من أنني لم أستطع فعل ما قالته، إلا أنني لم أنس كلماتها أبدًا.

عندما بعت روايتي الأولى كنت قد تركت المحاماة، وكان عمري 38 سنة. استعدادًا لجولة دعائية صغيرة للكتاب، استأجر الناشر مدربًا إعلاميًا لتدريبي لمدة ساعتين. كان المدرب قد كتب كتابا فقرأته. وتعلمت أن كل الأحداث تتعلق بالجمهور. هذه الفكرة ساعدتني لأنه بغض النظر عن مدى شعوري بعدم الأمان، يمكنني أن أنسى نفسي وأن أركز على أي شخص آخر.
أكتب الروايات وألقي المحاضرات بين الحين والآخر. وقد جئت من خلفيات متعددة: مهاجرة، انطوائية، من الطبقة العاملة، كورية، أنثى، طالبة في مدرسة حكومية،من كوينز، من الطائفة المشيخية. حين نشأت، لم أكن أعلم أبدًا أن أشخاصًا مثلي يمكنهم أن يكتبوا كتباً أو يتحدثوا أمام الجمهور. حتى يومنا هذا، يساورني القلق من أنه إذا أخطأت، فقد لا يُطلب أمثالي بعد ذلك ولا يُسمح لهم. هكذا يشعر الغرباء والوافدون الجدد. إنه إحساس لا عقلاني ولا عادل. وأنا أدرك ذلك.
الآن أبلغ من العمر 50 عامًا، وبعد أكثر من أربعة عقود من العيش في الغرب، أدركت أن الكلام، مثل الكتابة، مؤلم لأنه يعرض أفكارنا للتقييم. لكنه، مثل الكتابة أيضاً، قويّ، لأن تلك الأفكار قد تكون جديرة بأن يُعبّر عنها.
في طفولتي لم أكن أعرف هذه القوّة، لكنها اليوم قوّتي.
الكاتبة: مؤلفة روايتين: “طعام مجاني لأصحاب الملايين” و “باتشينكو”.
المترجم: كاتب ومترجم سعودي.
المُراجع: مترجم ومؤلف سعودي.
Breaking My Own Silence
Min Jin Lee
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
