2026-01-15

٢٧ يناير ٢٠٢٠
الجدل الذي أُثير حول تغريدات مراسل صحيفة واشنطن بوست بشأن كوبي براينت يطرح سؤالاً أخلاقياً ومحظوراً ثقافياً.
ليس كل من يموت إنسان خيّر ومع ذلك هناك ضغط اجتماعي شديد يدفعنا للتظاهر بذلك، على الأقل لفترة من الزمن. ولكن مدة الفترة هذه ليست واضحة.
تقريبا كل الثقافات تعزز ذكر الميت بالخير، إذا استثنينا الشخصيات التي لا يختلف اثنان على شرها، فإنه من المفترض عمومًا أن تخصص الساعات والأيام اللاحقة على موت أحدهم لتذكر الميت والحزن عليه وذكره بالخير. لكن مراسلة الواشنطن بوست فيليسيا سونمز Felicia Sonmez خالفت هذا العرف وغردت مباشرة بعد وفاة نجم كرة السلة كوبي براينت عن دعاوى التحرش الجنسي ضده عام ٢٠٠٣ ما أدى إلى ردود فعل غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولو أنها كتبت تغريدتها قبل وفاته بأسبوع مثلا وهو في صحته وعافيته فلعلها ما كانت لتلقى ذلك الكم من الهجوم، في ظني.
هذه القاعدة راسخة بشكل قوي إلى حدٍّ يجعل معظم الناس، وليس فقط المحبوبين والمشاهير أمثال براينت، يتوقعون ثناءً بعد موتهم. وهناك حالات متخيّلة وحقيقية على حد سواء لأشخاص زيفوا موتهم جزئيًا طمعًا في قراءة النعي الذي سيكتب لهم. فعلى سبيل المثال، في قصة إسحاق أسيموف “نعي (Obituary)”، يبتكر عالم فيزياء نظرية اسمه ستيبينز خطة مفصلة لتزوير وفاته مدفوعًا بالإحباط بعد فشله في تحقيق الشهرة وذلك في محاولة للحصول على الدعاية وأن يُكتب له نعي. وعلى الرغم من أنه لم يكن شخصية محببة إلا أنه كان على حق في توقع الثناء عليه بعد موته.
نحن نتظاهر بشكل عام بأن المتوفين حديثًا كانوا طيبين أو أفضل مما كانوا عليه بالفعل. ولكن لماذا؟ ربما نعتقد أننا مدينون لأسرة المتوفى بالتعبير عن الاحترام. ويبدو هذا الأمر مفهوما في الحالات التي يكون فيها المتوفى شخصية عامة تتعرض للإساءة من قبل شرائح معينة من الجمهور، لكنها محبوبة بعمق من قبل عائلته المباشرة. لكن هذا التفسير لا يشرح لنا ما يجري في عدد كبير من الحالات الأخرى. فكثير ممن ينظر إليهم على أنهم شخصيات بغيضة من قبل الغرباء، تُدرك عائلاتهم أيضًا قصورهم الأخلاقي. وأنا أعرف شخصيًا حالاتٍ أرغم فيها أبناء راشدون لأبوين مسيئين على التظاهر بعد وفاتهم بأنهم كانوا أمهات وآباء صالحين. وأعرف شخصًا واحدًا على الأقل واجه انتقادات شديدة لرفضه القيام بهذا الدور. تشير كل هذه الحالات إلى أن القاعدة قوية جدًا ، فنحن على استعداد لإجبار الأشخاص الذين تعرضوا للإساءة في طفولتهم على إخفاء آلامهم خلف قناع مقبول اجتماعيًا.
قد يُظن أننا نحرص، عن حق، على مراعاة عجز الميت عن الدفاع عن نفسه ما يجعلنا نحجم عن انتقاده. فقد يُقال إن الأخلاق تقتضي ألا نهاجم خصمًا يرقد أعزلاً على الأرض فما بالك بالمتوفى العاجز عن الدفاع عن نفسه وبالتالي يمثّل الفئة الأكثر احتياجًا لمثل ذلك الموقف الأخلاقي النبيل. إلا أنني أشك أن هذا هو السبب فعلًا. ذلك أننا لا نلتزم بذات المبدأ حين نتكلم بالسوء عن الآخرين في غيابهم رغم أن الأذى الذي يمكن إلحاقه بالإنسان الحي أكبر بكثير مما يمكن إلحاقه بالميت إذا استثنينا الأذى المحتمل الذي يمكن أن يلحق بسمعة وإرث الموتى.
صحيح أنه من الممكن أن ننظر للجنازات ومجالس التأبين على أنها مناسبات عامة ونعتقد أننا لا يجب أن ننشر الغسيل المتسخ فيها وأنه يجب أن نحافظ على المظاهر من أجل سمعة الأسرة. لكني أظن أننا نشعر بضغط لتلميع أفعال الموتى حتى في حالة وجود أقارب الميت المباشرين فقط. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع سلوكنا في المناسبات العائلية الأخرى التي لا علاقة لها بالموت. فهي، كما نعلم، لا تشتهر بمستوى عالٍ من اللباقة. يعتمد ذلك على الأسرة بالطبع، ولكن من الشائع جدًا أن يعبر الناس عن مشاعر مختلطة أو أسوأ من ذلك تجاه الأعياد العائلية أو تجمعات الأقارب، ويبدو أننا في تلك السياقات، لسنا حريصين إلى هذا الحد على حفظ ماء الوجه.
أود أن أقترح هنا أن في الموت نفسه ما يدفعنا إلى التصرف بهذه الطريقة. فالموت يبدو ذا شأن، بل وربما موصولًا بعالم آخر. تأمل مثلًا ميلنا إلى خفض أصواتنا عندما نكون في المقبرة. نرى هذا السلوك عند المتدينين وغير المتدينين على حد سواء، أي لدى من يعتقدون أن الموتى قد يسمعونهم ولدى من لا يعتقدون ذلك. فما الذي يفسر هذا الميل؟ لست متأكدة، لكن أرجح الظن عندي أنه يتعلق باعتقادنا أن للموت ارتباطًا بالعالم الآخر. إذا كان هذا صحيحًا، فربما لم يكن احترامنا موجهًا حقًا إلى الشخص الذي مات للتو – لأن هذا الشخص ربما كان إنسانًا فظيعًا – بل إلى الموت نفسه. وكأن الموت قد وضع ختم النبل على جبين قلبه الذي لم يعد ينبض. هذا الختم وتلك الهالة هي ما يدفعنا إلى التصرف بهذا الشكل تجاه الموتى. ينتمي الميت الآن للموت ولم يعد ينتمي لنا. وربما نشعر كذلك أننا لسنا مراقبين من قبل الآخرين فقط ولكن الموت نفسه يراقبنا. جاء الموت للزيارة ونحن جميعًا في حضرته عندما نتشارك غرفة واحدة مع من اختارهم.
لدي قدر كبير من التعاطف مع هذه الفكرة بشكل عام. لطالما اعتقدت أن هناك شيئًا غير لائق في الاحتفال بوفاة شخص حتى لو كان قاتلًا متسلسلًا أو ديكتاتورًا. فالرقص على قبر إنسان -حتى على سبيل المجاز- ليس علامة على التحضّر والمدنيّة. وما يجعل من هذا الفعل غير لائق قد لا يكون أي ميزة للشخص الذي وافته المنية فقد لا يكون فيه ما يشفع له إطلاقًا. (وقد يكون من المناسب تمامًا أن نفرح بالحُكم على هذا الشخص بالسجن مدى الحياة)، لكن ما يُدخلنا في حالة من التحفظ أحيانًا، ليس شيئًا في الشخص الميت، بل هو الموت ذاته.
ما أود أن أقترحه هنا هو أن هناك بدائل أخرى غير الثناء الكاذب على أشخاص سيئين بعد موتهم. فبوسعنا أن نلجأ، كما اقترح سونميز، وربما بتعجّل، في التأمل الحزين والصادق في إرث هذا الشخص بأكمله خيره وشرّه.
هناك عدة أسباب لتفضيل الصدق. أوّلها أن قواعد التظاهر الاجتماعية تعمل ضد الأشخاص الذين يستحقون الثناء حقًا. عندما نمنح المديح بعد الوفاة بشكل عشوائي، فإننا نتصرف مثل الأساتذة الذين يمنحون كل طالب درجة كاملة، وبذلك يحصل الطلاب الذين استحقوها على نفس الدرجة التي حصل عليها الطلاب الذين لم يستحقونها. التقييم بعد الموت يشبه تقييمًا نهائيًا لحياة إنسان كاملة، فيجب أن تكون الدرجات العالية مستحقة هنا كذلك.
هذا لا يعني أننا نشجع على الانتقام التافه ضد الموتى وأن نعطي تفويضًا مطلقًا للكارهين ليمضوا في كراهيتهم، تلك التي تكشف عنهم أكثر مما تكشف عن المتوفى. إنما المقصود أن هناك فرقًا مهما بين قاعدة تحظر الانتقام المثير للشفقة وقاعدة تفرض الثناء العشوائي.
بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد سبب يدعو إلى اعتبار التأمل الحزين في إرث المتوفى أمرًا خارجًا عن الحدود المقبولة. ففي حين أن الاحتفال بوفاة أي شخص سلوكٌ سيء الذوق، إلا أن المحاولة الجادة في تأمل الصورة الكليّة لا تُعد كذلك. وفي هذا السياق كتب الكاتب الفرنسي فولتير ذات مرة، في رسالة إلى صديق، يوضح فيها سبب ورود بعض الكلمات اللاذعة عن رئيس الدير المتوفى مؤخرًا في أحد كتبه “نحن مدينون بالاحترام للأحياء أما الموتى فلا ندين لهم إلا بالحقيقة”.
آمل أن يكون هذا الاقتراح مستساغًا حتى لأولئك الذين يهدفون في اتباع الأعراف التقليدية، ربما دون وعي، إلى إظهار موقف مناسب ليس تجاه الموتى بقدر ما تجاه الموت وحتميته. سيطالب بنا الموت جميعًا في النهاية، وكل وفاة تحدث بالقرب منا هي بمثابة تذكير. لكن لا ينبغي أن يُنظر إلى الموت على أنه قوة تسوية كونية تمحو الفروق بين الناس. صحيح أننا جميعًا فانون، وأن الأموات متساوين جميعا في موتهم؛ لكن الأحياء – وكذلك الأموات– متساوين في الخير، ولا ينبغي للموت أن يُرغمنا على التظاهر بعكس ذلك.
في الختام ، صحيح أن الموت سيطالب بنا جميعًا إلا أنه لا داعي للتنازل له قبل الأوان. الموتى لا يعودون وبهذا المعنى، فهم لا ينتمون لعالمنا هذا بعد الآن. ومع ذلك، فقد عاشوا بيننا ذات مرة وكانت حياتهم -بما في ذلك الأشياء الجيدة والسيئة التي ربما فعلوها- متشابكة بشكل وثيق مع قصصنا وهوياتنا. إن الحقيقة حول ما فعلوه أو لم يفعلوه، كيف عاملونا أو عاملوا غيرنا، قد تكون، بالمعنى العميق للكلمة حقيقتنا الحيّة، نحن الأحياء.
الكاتبة: أستاذة مساعدة في قسم الفلسفة بجامعة كولورادو بولدر
المُترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المُراجعة: مترجمة حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
?What Do We Owe the Dead
Iskra Fileva
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
