2026-01-17

١٦ يناير ٢٠١٧
إليك هذه القصة:
كنت في طريقي عائدًا من العمل وإذا بسيارة تقطع طريقي. كان السائق يقودها ببطء شديد، وانتهى بي المطاف أن كنت أتبعه لمسافة نصف ميل.
ليست قصة مثيرة للاهتمام كما هي، ولكن دعونا نضيف سطرًا آخر:
لذلك، فقد ظللت أضغط على الزمور طوال الوقت.
أو ربما سطرًا مختلفًا:
هذا كان سبب تأخري.
كل واحدة من تلك الجملتين تضيف بعدًا إلى القصة لم يكن موجودًا من قبل. الآن، بدلًا من قصة تحكي عني، لدينا قصة عن كيفية اعتباري لنفسي، أو ربما رغبتي في أن يُحكى عني. على أي حال، أعبر عما يمكن أن يسمى على نحو غامض “قيمة”. هذه القيمة ليست بالضرورة قيمة أخلاقية ولكنها طريقة للكيان الذي أرغب في رؤية نفسي أعيشه، طريقة للكيان الذي أعتبره قيمة بالنسبة لنفسي وأسعى لربط نفسي به. فحينما أضيف إلى القصة الجملة الأولى فكأني أريد القول إنني “لست شخصًا يمكن العبث معه” أما الجملة الثانية فكأني أقول “أنا لست شخصًا يتأخر”.
كثير من حكاياتنا عن أنفسنا تقوم بذلك. نحن نحكي قصصًا تجعلنا نبدو مغامرين أو مضحكين أو أقوياء. نحن نروي قصصًا تجعل حياتنا تبدو مثيرة. ونروي هذه القصص ليس فقط للآخرين بل لأنفسنا أيضّا. جمهور هذه القصص، بالطبع، يؤثر على القصص التي نرويها. إذا كنا نحاول إعجاب شخص ما في لقاء خاص، قد نروي قصة تجعلننا نبدو مثيرين للاهتمام أو أذكياء أو حنونين، بينما إذا كنا نحاول تبرير عمل مشكوك فيه أمام شخص يقوم بالحكم علينا (أو ربما أمام أنفسنا)، قد نروي قصة تجعلنا نبدو كأنه لم يكن بأيدينا أي خيار آخر. في الحالة الأخيرة، ما نقوم به هو فصل أنفسنا عن قيمة يمكن أن نكون مرتبطين بها وبالتالي نقوم ضمنًا بربط أنفسنا بقيمة أخرى.
ليست جميع قصصنا عن أنفسنا تعبّر عن قيم مثل هذه. غير أن الكثير منها – ربما معظمها – تفعل ذلك. هذا ينطبق حتى عندما تبدو قصة قد تعبر عن قيمة سلبية. فكّر، على سبيل المثال، في الأشخاص الذين تدور قصصهم عن أنفسهم حول أمور لا تسير على ما يرام بالنسبة لهم. كل أمر يحاولون فعله، يفشلون به؛ العالم يتآمر ضدهم. تعبّر هذه القصص عن قيم أيضًا، قيم غالبًا ما تنبع من الاستياء أو حتى اليأس. إنها تدعم رؤية للعالم تبرر كونهم على هذا الحال وليسوا أشخاصًا أكثر إنجازًا أو سعادة أو اجتماعية.
هذا لا يعني أن الأشخاص الذين يحكون قصصًا من هذا النوع هم بالضرورة خاطئون في تصوّرهم لتاريخهم. بالتأكيد، هناك أشخاص تتآمر الظروف ضدهم. لقد رأينا ذلك مؤخرًا في حوادث الكراهية ضد الجماعات المهمشة تقليديًا. ولكن عندما يعبر الأشخاص عن أنفسهم من خلال قصص تتمحور حول صعوباتهم، فإنهم لا يعيشون فقط من خلال الصعوبات ولكن في بعض الحالات بشكل مفهوم يعبرون عن قيم حياتهم، وسبل العيش التي يعبرون عن أنفسهم بها.
تؤدي هذه النقطة الأخيرة إلى نقطة أخرى. بعض القيم التي نعبّر عنها ليست بالضرورة قيمًا قد نكون على استعداد للاعتراف بها. إذا قام شخص ما بالإشارة إلى حقيقة أنني دائمًا أجعل نفسي ضحية، فقد ينكر ذلك. “لا، ليس أنا، بل الظروف. كل شيء حدث تمامًا كما قلت لك.” هناك كينونات نقدرها ولكن قد لا نكون على استعداد للاعتراف بأننا نقدرها، حتى لأنفسنا. قد يبدو هذا متناقضًا. كيف يمكن أن نقدر شيئًا، ولكن لا نكون على استعداد للاعتراف لأنفسنا أننا نقدّره؟
ومع ذلك، نحن نعرف – على الأقل من الجانب النظري – أننا نخدع أنفسنا فيما يتعلّق بجوانب معينة مثل من نحن وما نقوم به. ومما يشتمل عليه مثل هذا الخداع الذاتي التعبير عن القيم التي نرفض الاعتراف بها. عندما ضغطت على زمور السيارة وأنا أتبع السائق البطيء – الأمر الذي أعترف به لك هنا – فقد عبّرت عن قيمة لا أرغب حقًا في أن ترتبط بي، وربما لن أعترف بها في ذلك الوقت. (الآن أحاول أن أتحسن رغم أني أواجه صعوبة في ذلك فأنا شخص نشأ في نيويورك. وستلاحظ بالتأكيد أن حتى هذا الاعتراف يعبّر عن قيمة ترتبط بكوني شخصًا من نيويورك).
إذا تأمّلنا القصص التي نرويها عن أنفسنا، سواءً للآخرين أو لأنفسنا، فقد نكتشف أمورًا عمّن نكون تُعقّد الصورة التي نفضّل أن نُعرّف بها.
لماذا قد يكون هذا مهمًا؟ ها هو سبب واحد. انتخابات الرئاسة قد عرضت بصورة واضحة ظاهرة علق عليها كثيرون في السنوات الأخيرة. مع انتشار مجموعة متنوعة من قنوات الأخبار التلفزيونية والإنترنت والتسويق المتخصص، وتجمّع الأفراد في مجموعات متشابهة، يعيش معظمنا في غرف صدى تعكس لنا البراءة في حياتنا. نحن نُعزز لنفكر في أنفسنا كأننا نجسد القيم الصحيحة، وكأننا نعيش بطرق مبررة على الأقل، إن لم تكن أفضل. قد يكشف لنا التأمل في القصص التي نرويها عن أنفسنا جوانب أخرى عن أنفسنا وعما نقدّره، جوانب قد تعقّد الصورة البسيطة التي تقدمها لنا غرفة الصدى.
وهذه التعقيدات بدورها قد تقودنا إلى اكتشاف آخر: أن أولئك الذين يعيشون خارج غرفة الصدى الخاصة بنا قد يكونون أكثر تعقيدًا مما توقعنا. بينما قد تكون القيم التي نعتقد أنهم يعبرون عنها مخطئة – أو حتى مقرفة – بالنسبة لنا، قد تكون هناك جوانب أخرى لحياتهم أيضًا، وقيم أخرى يعبرون عنها بتلك الحياة، قيم ستصبح واضحة لنا إذا استمعنا إلى بعض القصص التي يروونها عن أنفسهم. إذا كنا أكثر تعقيدًا مما نحب أن نعتقد، فربما الآخرون أيضًا أكثر تعقيدًا مما نود أن نعتقد. (وأيضًا أكثر تعقيدًا مما يودون أن يعتقدوا).
ليس الهدف من ذلك الدعوة إلى نوع من النسبية في القيم أو القول بأن الجميع خياراتهم مبررة بنفس القدر. عرضت لنا انتخابات الرئاسة هذه، بشكل متكرر في صورة قصص تعبر عن قيم مرتبطة بالفردية البطولية، ظواهر العنصرية والتمييز بين الجنسين والكراهية للأجانب – وهذه الأمور يجب رفضها بشكل كامل. ومع ذلك، في عالمنا المنقسم الذي يسهل فيه رفض الآخرين بكل ثقة وطمأنينة، ربما يجدر بنا أن نتأمل في التعقيدات التي نعيشها جميعًا، تلك التعقيدات التي غالبًا ما تظهر في القصص التي نروبها عن أنفسنا.
الكاتب: يشغل حاليًا كرسي ماكديفت McDevitt الفلسفة الدينية في كلية لو موين.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المُراجع: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
The Stories We Tell Ourselves
Todd May
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
