2026-01-08

٦ فبراير ٢٠١٩
ما الكتب التي كانت في مكتبة أفلاطون، ولماذا يبدو أن الجميع هناك في حالة سُكر؟
كانت حركة المرور في وسط أثينا سيئة، وذلك في يوم متأخر من شهر يناير حينما قررت زيارة موقع أكاديمية أفلاطون. كل شارع ضيق من المدينة القديمة (بلاكا) كان مكتظا للغاية بسبب المظاهرات الغاضبة مؤخرا، وكان بعضها عنيفا وأجبر على إغلاق الطرق حول سينتاجما (أو ميدان الدستور).
لم يزل المشاة يشكلون قوة مدهشة تملأ الشوارع، ولديهم الرغبة في الاستمتاع بيوم السبت في التسوق. يمضي الأثينيون إجازة نهاية الأسبوع بجدية. كان سائق الأجرة لدي وهو بانتيلس يشق طريقه بحذر وسط الناس وهم يتمايلون بصورة مفاجئة وعلى غفلة نحو الشارع، وجوقة الدراجات النارية تبرز من العدم وتختفي بصخب عن بعد.
ما أن تجاوزنا التقاطع المسدود في ميدان موناسترياكي حتى اندفعنا بسلاسة بجوار شارع إرمو متوجهين إلى الشمال الغربي. ذهبنا إلى منطقة تتبعثر فيها المستودعات والمصانع القديمة. توقفت سيارة الأجرة عند مجموعة من الحافلات المهجورة وأمامنا ما يشبه منطقة خضراء مفتوحة. أشار بانتيليس وهو يقول: “أكاديمية أفلاطون” وقلت في نفسي لا بد أنه المكان.
أكاديمية أفلاطون هي الآن حديقة عامة وفي جزء ليس بالجيد في المدينة. إنها بالضبط بجوار كولونوس مسقط رأس سوفقليس، ووفقا للأسطورة التي ساهم باختراعها فإنها مثوى أوديب. كان الطقس لطيفا ومشمسا ولكن اليومين السابقين امتلئا بالعواصف والرياح القوية والمطر الغزير.
حين ولجت الحديقة من الجهة الجنوبية كانت الأرض وحلة وفيها بقع ماء كبيرة. انزلق حذائي وانغمس أسفل قدمي أثناء مسيري متجاوزا رجلا يتحدث بصوت عال في هاتفه الجوال بلغة أظنّها البنغالية. كان هناك زوجان يلعبان مع كلبهما. وثمة ملعب فارغ ومنطقة حصوية جميلة للعب الكرات الحديدية الصغيرة التي تحظى كما يبدو بشعبية عند السكان لكنها مهجورة.
اتجهت ومعي ملاحظاتي وكتيب إرشادي صوب أطلال الصالة الرياضية والتي يُعتقد بأنها المبنى الأساسي للأكاديمية. كان هناك تجويف أخضر كبير يشير إلى موقع حفريات سابق. رمقت من خلال بعض الأشجار منطقة خضراء مفتوحة للأطلال. ثمة رجل وحيد يقف هناك متأملا ومدخنا لفافة ضخمة و عند قدميه ما تبدو أنها علبة ماء. وفي الواقع لم أر بالقرب من الأطلال المختلفة سوى عدد قليل من الأشخاص يقومون بما يقوم به هذا الرجل بالضبط: إنهم يثملون في وقت الغداء ليوم السبت، وكنت أشعر بالريبة حيال السائل الذي يشربه هل كان ماء أم نوع من الكحول، ومظهر هؤلاء الرجال لا يشبه ممارسي اليوجا المهووسين من مستخدمي المرطبات. فأواهٍ على بساتين الأكاديمية المقدسة !
انحدرت بعد لحظة من التردد إلى الأطلال وبادلت الرجل بالتحية وقولي “ياساس” (أي: مرحبا) ولم يبد أي اكتراث بوجودي هناك. كان المكان صامتا جدا، والمحيط هادئا، وشقشقة العصافير خافتة، لم تكن هناك أي أعمال شغب.
حاولت أن أتخيل الأكاديمية.
المدرسة التي أسسها أفلاطون حوالي عام 387 ق.م سميت في البداية هيكاديميا ثم لاحقا الأكاديمية نسبة لمزار قريب خصص للبطل هيكاديموس. بلغت مساحة هذه المنطقة في زمن أفلاطون هكتارا ونصف الهكتار (ما يساوي تقريبا ثلاثة فدادين ونصف) ويمكن الوصول إليها من أثينا عبر مغادرتها من خلال بوابة دبلون والمسير بمحاذاة الطريق الذي تقع على جنباته مقبرة عامة. كانت الصالة الرياضية مبنى مستطيلا يبلغ طوله مئتي قدم تقريبا ومئة قدم عرضا. عند وقوفي وسط الأنقاض بدا لي أن حجم المبنى أكبر مما توقعته. جرى التنقيب في المكان بين عامي 1929-1939 ونشر مخططا للمبنى الرئيسي آنذاك.
ثمة فناء مفتوح أو قاعة محاطة من ثلاث جهات وطابق واحد مسقوف بأعمدة وبجواره بهو، وربما وفر مأوى للأكاديميين المنخرطين في قراءة ونسخ البرديات، ولعلهم يزجون الوقت هناك. في منتصف البهو خزان لتزويدهم بالماء وإلى الشمال منه توجد بقايا قاعدة نصبت فوقها تماثيل ربات الإلهام التسع وحاميات الفنون والآداب.
الأكاديمية هي في حقيقة الأمر متحف أو معبد أو مكان مقدس، وهي رابطة مستمرة حتى في لوقيون أرسطو وحتى من خلال المكتبة الأشهر في العالم القديم: متحف الإسكندرية (الذي ضم مكتبة الشهيرة التي ذاع خبر حرقها) وأسسها بطليموس بعد سنة 297 ق.م.
خلف ربات الإلهام تواجد المبنى الرئيسي للأكاديمية، وانقسم إلى عدد من الحجرات. لسنا متأكدين تماما من وظيفة هذه الغرف لكن من الوارد أنها استخدمت للتعليم واستعمل فيها الألواح ومواد الكتابة والأدوات الهندسية ومجسمات الكرة الأرضية والأفلاك السماوية. توجد المكتبة في قلب الأكاديمية حيث اكتظت بالنصوص وتكدست بأوراق البردى، ومن الممكن أنها حوت ملصقات دونت عليها العناوين. كانت هذه هي المكتبة الأولى من نوعها في أثينا.
كي نتعمق أكثر إليكم هذا السؤال المثير للاهتمام: ما الذي احتوته أرفف مكتبة أفلاطون؟ ما الذي قرأه وأعطاه لتلاميذه كي يقرأوه؟ ليس بمقدورنا سوى أن نخمن. لكن من المحتمل أن هناك كتابات عن الرياضيات والهندسة والطب ومجلدات لهوميروس وهزيود. يتضح مما تدل عليه المحاورات أن أفلاطون قرأ الأعمال الكاملة والمفقودة للمفكرين الماقبل سقراطيين ككتاب هيراقليطس (عن الطبيعة) وأناكساجوراس (ناوس) ونصوص المفكرين الإيليين كبارمنيدس. وقيل أيضا أن أفلاطون اشترى بثمن غال ثلاثة أعمال تخص فيثاغورس. كذلك توجد كتب السفسطائيين الذين أبغضهم أفلاطون، ومن الممكن أن توجد الكتب الشهيرة والمقروءة للذريين كديمقريطس الذي تجاهله أفلاطون تماما، ولعل ذلك يعود لحسده له.
بالإضافة لهذه الأرفف التي تخزن هذه النصوص، من المحتمل أن تكون هناك منصة من الخشب للقراءات والمحاضرات والنقاشات وهي تحدث يوميا. لعل الأكثر إثارة للاهتمام في تصميم الأكاديمية هو بيت القارئ أو (الأناجنوستيس Anagnostes) وقيل إن أرسطو في شبابه عمل كقارئ ومحاضر خلال سنواته العشرين التي قضاها في الأكاديمية. مما يظهر لنا أن أفلاطون لقبّه بناوس Nous (أو العقل) وهو الأمر السائغ كما يبدو. كما يظهر لنا أن القارئ المجهول كان مسؤولا عن القراءة الجهورية لكل رسالة تُعرض للنشر في الأكاديمية.
التصميم الهندسي الشامل للأكاديمية هو ما يلفت النظر، والذي يعتقد صديقي الجديد السيد ستايكوس بأنه تمّ عبر التأثر بالمدرسة الفيثاغورية التي تعرف عليها أفلاطون في رحلاته إلى صقلية وجرى إحيائها عبر أرخيتاس الطارنتي صديق أفلاطون والذي قيل بأنه نموذج الفيلسوف الملك كما وُصِف في كتاب الجمهورية. تقول الأسطورة أن شعار الأكاديمية المكتوب فوق مدخلها هو: “لا يسمح بدخول أي جاهل بالهندسة”. لم تكن الأكاديمية مجرد مبنى. إنها فكرة تتوافق مع نظرية أفلاطون عن المُثُل، وتتفق أيضا مع الرؤية الفيثاغورية من أن الواقع الحقيقي يُفصَح عنه بالأرقام.
لكن الأكاديمية كانت أيضا منشأة بحثية ومدرسية بتمويل خاص وتقع خارج المدينة. تملك الأكثرية منا فكرة غريبة عن الفلسفة وكونها مجموعة من الرجال يتحادثون وهم يرتدون المئزر في ساحة الأجورا . ونعتقد أن سقراط كان كالذبابة، يتفلسف في الشارع ويتحدث بالحقيقة بشكل أو بآخر في وجه السلطة. وهي فكرة جذابة. لكن هذا تصور أدبي للفلسفة ولازال يدور حتى اليوم. إنه الخيال الذي يرغب أفلاطون لقرائه أن يصدقوه.
خلف هذا الخيال تقف المكتبة وغرف التحرير والنسخ والمحرك البحثي للأكاديمية بكامله، والذي كُرس للإنتاج المتأني لنشر المعرفة عبر النصوص والتدريس. قد نتردد حيال فكرة أن الفلسفة كانت دوما أكاديمية الطابع ومرتبطة بالنشاط المدرسي منذ نشوئها.
يتبادر إلى ذهني في هذا المقام أن أطرح سؤالا مبتذلا بعض الشيء: من كان ينفق على الأكاديمية؟ وفقا للسيد ستايكوس فإن تكلفة البناء تقدر بخمسة وعشرين إلى ثلاثين طالن. وبحسب تقديرات اليوم الصاخبة يمكننا القول إن تكلفة الأكاديمية تقارب مئتي ألف دولار. كيف حصل أفلاطون على هذا المال؟ هذا ما لا نعرفه. قيل بأنه قبض عليه لدى عودته من رحلة صقلية عام 387 ق.م وبيع عبدا في جزيرة إيجينا التي كانت في الحرب ضد أثينا وقتذاك. وبحسب أحد الآراء فإن أنيسيريس القورينائي دفع فدية تبلغ ثلاثين مينا minas لكنه رفض أن يستعيد ماله بعد عودة أفلاطون لأثينا، فاستخدمت هذه الأموال لدفع قيمة قطعة الأرض حيث بُنيت عليها الأكاديمية.
مع أن ديوجين اللاريسي مصدر لا يعول عليه كثيرا إلا أنه قال بأن أفلاطون لم يملك شيئا غير ما هو مذكور في وصيته، وأنه تلقى مبلغا كبيرا من المال من ديونيزيوس الأول. كان لأفلاطون مبلغ كبير من المال تحت تصرفه (والمبلغ الأعلى المذكور هو ثمانين طالن) والمؤكد وفق ما قيل عن أفلاطون أن لديه مصرفيًا يدعى أندروميديس. بعبارة أخرى، كان أفلاطون ثريا ولديه رعاة أثرياء ومن المرجح أن طلابه كانوا أثرياء أيضا.
ننجذب بشكل أقل لفكرة أن ثمة فيلسوف ثريا أرستقراطيا ينعزل في منشأته البحثية ويقوم برحلات عابرة للبحار من وقت لآخر بغرض زيارة الطغاة، بخلاف الفيلسوف الفقير والحافي كسقراط، يرفض تلقي المال ويتسبب بمشكلة في السوق ويُقتل في المدينة بسبب هذه المشكلة. لكن ولعنا بهذه الصورة وللمرة الأخرى ما هو إلا اختراع قام به أفلاطون.
يقوم أفلاطون، وراء إبداعه الفريد من نوعه، بحيلة التخفي المميزة. والحق أننا نعرف القليل جدا عن أفلاطون. بحسب بلوتارخ كان أفلاطون يحب التين، فياله من أمر مهم! يُذكر أفلاطون لمرتين فقط في كثير من المحاورات التي تحمل اسمه، وكان حاضرا في محاكمة سقراط، ولكن – في لحظة تأملية جميلة وصفها في محاورة فيدون – كان غائبا عن لحظة موت سقراط بسبب مرضه.
بل إننا لا نعرف أكان يُدعى بأفلاطون أم لا، والذي يُحتمل بأنه لقبه. يزعم ديوجين اللاريسي أن اسمه الحقيقي هو أرسطوقليس نسبة لجده، وأن معنى (أفلاطون) باليونانية تشبه كلمة “عريض” مثل الورقات العريضة لشجرة البلاتوناس أو الدلب التي يجلس تحتها سقراط وفايدروس ليتحدثان عن إيروس. ويعتقد آخرون أن أفلاطون لقب بهذا الاسم لأنه عريض المنكبين وبارع في المصارعة.
بدأت في التأمل والتجول بدءا من الصالة الرياضية عابرا الحديقة والشارع إلى الأطلال الصغيرة لمبنى آخر في مجمع الأكاديمية، والذي تبلغ مساحته قرابة المئة وثلاثين قدما مربعا، وهي الأبعاد المعتادة لمدرسة مصارعة أو الباليسترا. كنت أشاهد أفلاطون في خيالي جالسا يشاهد الأكاديميين يتصارعون ويعرض عليهم نصائح تدريبية ويشجعهم بين حين وآخر. أحيانا عندما ندرك القليل فإن فضاء مخيلتنا يتسع.
عمل أفلاطون في الأكاديمية حتى موته سنة 347 ق.م ولم يقطع عمله إلا لرحلتين طويلتين إلى صقلية. بقيت الأكاديمية لقرون قليلة حتى دمارها على يد الجنرال الروماني سولا عام 87 ق.م. إبان نهب أثينا. من المحتمل أن المباني أُحرقت مع بعض المعابد، وقُطعت الأشجار من بستان الأكاديمية لتوفير الخشب اللازم للآلات التي ستحاصرها، وهذا ما خمنته.
ثمة رائحة بول طفيفة ولكن ملحوظة بوضوح وتعلق في أجواء مدرسة المصارعة. في الزاوية حين نظرت للأعلى وجدت رجلين يفتشان بدقة وصمت في سلة نفايات صغيرة.
ما كان صادما لي هو أن هذه الأطلال تركت مكشوفة بلا حواجز وبلا جدران عازلة ومن دون كاميرات مراقبة. حان وقت رحيلي. في زاوية شارع أفلاطون لاحظت حانة حملت اسم أفلاطون. فكرت في احتساء كأس من النبيذ الأحمر وبسرعة وعلى شرف أفلاطون، لكني لم أتشجع لذلك، فالتقطت صورتين، وغادرت.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي ومؤلف لعدد من الكتب، من بينها “مالذي نعتقده حين نفكر بكرة القدم” وكتاب “المأساة والإغريق ونحن” وهو المشرف على قسم ذا ستون.
المُترجم: مترجم ومؤلف سعودي.
المُراجع: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
Athens in Pieces: The Stench of the Academy
Simon Critchley
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
