2026-01-22

٢١ ديسبمر ٢٠١٥
إن هذا العصر الذي وجدنا أنفسنا فيه لهو عصر التغيرات المخيفة والمحيرة، إنه عصرُ انهيار النظام العالمي الذي تشكل بعد عام 1945، وعصرُ انقراض جماعي للعديد من الأنواع، وعصرٌ بدأت فيه نهاية هذه الحضارة التي نعرفها. لا أحد منا بريء ولا أحد منا في مأمن. يئن العالم تحت وطأة سبعة مليارات إنسان؛ فمع كل ولادة جديدة يضاف إلى البشرية فم آخر جائع، وحياة أخرى متعطشة للطاقة.
كلنا نرى ما يحدث، ونقرأه في العناوين الرئيسية كل يوم، لكن الرؤية غير التصديق، والتصديق غير القبول. إننا نستجيب وفقًا لتحيزاتنا، ونتصرف بدافع من غرائزنا وردود أفعالنا وما تدربنا عليه. يصر اليمينيون من منكري تغير المناخ على أن المناخ لا يتغير أو أن تغيره ليس بسبب البشر أو أن المشكلة الحقيقية هي في الإرهاب واللاجئين وليست في تغير المناخ، أما المنكرون من اليسار فيصرون على أن المشكلة قابلة للحل وأنها تحت السيطرة، والمسألة برأيهم ليست إلا إرادة سياسية. أما أنصار التسريع الرأسمالي فيقولون بأن الحل يكمن في المزيد من التقنية. ويطلب منا أنصار التدرُّج أن نستمر في الوثوق بنفس المؤسسات والقادة الذين خذلونا لعقود من الزمن. ويقول الناشطون إن علينا أن نستمر في النضال، حتى لو كنا واثقين أننا سنخسر.
وفي هذه الأثناء مع اتساع الفجوة بين المستقبل الذي بين أيدينا والمستقبل الذي كنا نتخيله، تضرب العدمية بجذورها في مخاوفنا؛ فإذا كنا قد فقدنا كل شيء فلا قيمة عندئذ لأي شيء.
ولعلك تشعر بهذه العدمية عندما تشاهد برامج تلفزيونية مثل “المحقق الفذ” و”الباقون” و “الموتى السائرون” و “صراع العروش”، ولعلك تراها كذلك في التهافت إلى الحرب والطائفية والكراهية العنصرية. إن العدمية سمة اللحظة الراهنة التي نعيش فيها، رغم أنها في الحقيقة ليست جديدة. ظل العالم الغربي يتصارع مع العدمية المتطرفة منذ القرن السابع عشر على الأقل، عندما بدأت الرؤى العلمية المتعلقة بالسلوك البشري في تقويض المعتقدات الدينية. ومنذ ذلك الحين بذل الفلاسفة جهودًا كبيرة لسد الفجوة بين الحقيقة والمعنى؛ حاول كانط التوفيق بين الحتمية التجريبية وبين الله والعقل، وعَمِلَ بيرجسون وبيرس على دمج التطور الدارويني في الإبداع البشري، أما مفكرو الآونة الأخيرة فهم يلتقطون ما خلّفته علوم الأعصاب للمنطق واللغة من معارف.
إن المادية العلمية حين تصل إلى أقصى حدودها تهددنا بانعدام المعنى؛ إذا اختزلنا الوعي في الدماغ وإذا كانت أفعالنا لا تحددها الإرادة بل تحددها الأسباب، فإن قيمنا ومعتقداتنا ليست إلا مبررات لأمور كنا سنفعلها على أي حال. يجد معظم الناس هذه النظرة للحياة البشرية نظرة مقززة وغير مفهومة.
ترفض مارلين روبنسون في كتابها الأخير «الأشياء معطاة» وجهة النظر المادية للوعي، وتقول بوجود الروح البشرية وتصر على أن الطبيعة الميتافيزيقية للروح تجعلها منيعة أمام الحجج المادية. تقول روبنسون إن الروح أمر بدهي “لا يزعزعه إثبات أن لها طبيعة مادية، طبيعة بعيدة كل البعد عن الروح. وللأسباب نفسها فإن عدم ماديتها ليس دليلاً على عدم وجودها.”
يتناول عالم الأحياء إي أو ويلسون المشكلة تناولًا مختلفًا في كتابه «معنى الوجود الإنساني» إذ يطرح السؤال التالي: “هل الإرادة الحرة موجودة؟” ويجيب قائلا: “نعم هي موجودة، إن لم توجد في واقع مثالي فهي موجودة على الأقل بالمعنى العملي الضروري لسلامة عقولنا وبالتالي لاستدامة النوع البشري.”
تحتكم روبنسون في حجاجها إلى الجهل، أما ويلسون فيتوسل بحجة العواقب؛ وكلتا الحجتين مغالطتان.
لكن كما يقول ويلسون، فإن في إصرارنا العنيد على مقولة الفرد الحر شيئًا من المعنى التطوري. والواقع أن الميزة التطورية التي حرصت عليها البشرية هي دافعها إلى خلق معنى جمعي، وهو دافع عظيم لا يفتر، تضفي من خلاله البشرية معنىً على مشاعر اليأس والاكتئاب وعلى النكبات والإبادات الجماعية والحروب والكوارث والأوبئة، بل وعلى ما يتعرض له العلم من إهانة وإذلال.
إن دافعنا إلى خلق المعنى دافع قوي يكفي لقلب العدمية على نفسها. ولعل تشخيص فريدريك نيتشه للعدمية في الفلسفة الغربية من أكثر تشخيصاتها حدة إذ يقول في أواخر القرن التاسع عشر: “إن الإنسان سيفضل عما قريب إرادة العدم على عدم الإرادة”. إن هذه الشذرة المكثفة تستند على فكرة أساسية في صميم فلسفة نيتشه، وهي فكرة شاع قبولها حتى أصبحت غير ملحوظة، وهي فكرة أن البشر يصنعون معانيهم في هذه الحياة.
ومن هذا المنظور لا وجود لحقيقة أخلاقية نهائية متعالية – أو كما قال نيتشه في مقال له بعنوان «عن الحقيقة والأكاذيب بالمعنى غير الأخلاقي» إن الحقيقة ليست أكثر من “جيش متنقل من الاستعارات والكنايات والتشبيهات”. إن استطعنا تحمُّل الدوار الأخلاقي الذي قد تسببه هذه الفكرة، فبوسعنا كذلك أن نرى أن هذه الفكرة ليست بالضرورة عدمية، بل هي شهادة على مرونة الإنسان لو نظرنا إليها كما ينبغي.
إن قدرة الإنسان على خلق المعنى قدرة قوية مرنة إلى درجة أنها تكاد تجعل من الممكن تحمُّل أي نوع من أنواع الوجود، فحتى الحياة التي لا تنتهي معاناتها يمكن تحملها، طالما أن هذه الحياة جزء من قصة كبرى تمنحها معنى. لقد تمكن البشر من البقاء على قيد الحياة والنماء في أقسى البيئات على وجه الأرض، من صحراء شبه الجزيرة العربية إلى حقول الجليد في القطب الشمالي، بفضل قدرتهم على تنظيم حياتهم الجماعية حول كوكبة من المعاني الرمزية: الأنيرنيت أو الروح عند شعب الإنويت، ورأس المال، والجهاد. قال نيتشه: “إذا كانت لدينا أسبابنا في هذه الحياة، فسوف نتكيف مع كل حال نجد أنفسنا فيها.”
عندما قال نيتشه “إن الإنسان سيفضل عما قريب إرادة العدم على عدم الإرادة”، فقد كان يكشف عن الجانب المدمر لدافع صنع المعنى لدى الإنسانية. فهذا الدافع قوي للغاية، لدرجة أننا عندما نجد أنفسنا على شفا العدمية، فإننا سنختار فناءً ذا معنى لذواتنا ولن نختار حياة خالية من المعنى. لقد تحققت هذه النبوءة بشكل مروع في آخر أيام ألمانيا النازية، كما تتحقق اليوم مع كل هجوم انتحاري يقوم به الإرهابيون الجهاديون، وتتحقق كذلك هنا في الوطن مع سياسات الغضب المدمرة. إننا نوشك على الخطر كلما تعثرنا في حرب أخرى طائشة، وطلبنا من الشباب أن يزهقوا أرواحهم حتى نتمكن من الاستمرار في الاعتقاد بأن لأمريكا معنى. وكما عبرت إحدى الشخصيات في رواية دون ديليلو «ضوضاء بيضاء»: “الحرب هي الشكل الذي يتخذه الحنين إلى الماضي عندما يرغم الناس على قول شيء طيب عن بلدهم”، أي أن الحرب تعتبر عدمية فاعلة تحل محل عدمية سلبية.
نيتشه نفسه لم يكن عدميًا. لقد طور فكرته القائلة إن الحقيقة “جيشٌ متنقلٌ من الاستعارات” إلى فلسفة منظورية أكثر تعقيدًا تصوِّر الحقيقة الذاتية على أنها مجموعة متنوعة من بناءات تصورية ناشئة عن وجهات نظر معينة حول الواقع الموضوعي. وكلما تعلما المزيد من المنظورات التي نرى من خلالها الأمور زادت الحقائق التي نصل إليها. وهذه فلسفة يُخْلَط بينها وبين النسبية لكنها تختلف عنها، فالنسبية تقول إن كل الحقائق نسبية ولا وجود للحقيقة الموضوعية. لقد كان نيتشه في الأساس تجريبيًا يعتقد أنه وراء كل تفسيراتنا في النهاية شيء يمكن أن نسميه العالم، حتى لو لم نتمكن أبدًا من فهمه فهمًا موضوعيًّا. يقول نيتشه: “حتى العقول العظيمة ليس لديها من الخبرة سوى ما تصل إليه أصابعها الخمسة. إذا تجاوزوها يتوقف تفكيرهم ويبدأ فراغهم وغبائهم الذي لا نهاية له.”
كان مشروع نيتشه الفلسفي أو ما أسماه “العلم المرح” يهدف إلى تهيئة الظروف لإمكانية وجود إنسان يستطيع أن يتفهم تفاهة دافعنا لخلق المعنى لكنه مع ذلك يقبل الوجود الإنساني، أو الإنسان الذي يمكنه أن يتعلم كيف يحب مصيره، وهذه فكرته عن “الإنسان الأعلى” التي أسيء فهمها كثيرًا. لقد بذل نيتشه قصارى جهده لخلق هذا المثال الإنساني الجديد في الفلسفة لأنه كان هو في حاجة ماسة إليه، إذ كان متشائمًا كئيبًا وحساسًا ومجاهرًا بانحلاله حتى انتهى به الأمر إلى الجنون، لذا فقد بذل جهده طوال حياته ليقنع نفسه بأن حياته جديرة بأن تُعاش.
واليوم مع كل ساعة تأتي فيها نذر حرب جديدة أو كارثة مناخية، نتمنى لو أننا مكان نيتشه. لم يكن عليه إلا أن يتعامل مع موت الإله، أما نحن فعلينا أن نتقبل موت عالمنا. تكتنفنا الأخطار من كل جانب، من أوهام الأمل إلى ردود أفعالنا الغاضبة، ومن كآبة اليأس إلى وعود التدمير.
إننا نقف اليوم على حافة الفناء الذي لم يكن يتخيله نيتشه. وما من سبب يدعونا إلى الأمل في أن نتمكن من إبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي قبل أن تخرج الأمور عن نطاق السيطرة. درجة حرارة كوكبنا اليوم أعلى بدرجة مئوية من درجة حرارته قبل الثورة الصناعية، ونحن على مشارف نصف درجة مئوية أخرى. الطبقة الجليدية غرب القطب الجنوبي تنهار، وغرينلاند تذوب، والتربة الصقيعية في جميع أنحاء العالم أصبحت سائلة، وقد تم الكشف عن تسرب غاز الميثان من قيعان بحر سيبيريا وفوهاته. وربما فات أوان وقف هذه التأثيرات، ما يعني كذلك أن أوان وقف الارتفاع المروع في درجة حرارة الكوكب ربما قد فات. وفي الوقت نفسه، ينزلق العالم إلى فوضى دموية مليئة بالكراهية، وكأنه الفصل الأخير من مأساة شكسبيرية فظيعة.
من السهل أن نخلط بين قبول وضعنا هذا وبين العدمية. إن أمة تأسست على الأمل وبُنيت بعزم من كان شعارهم “نستطيع الفعل” وما زالت مذهولة بسحر تقنياتها، إن أمة هذا شأنها ترى أن من الكفر القول بأن للبشر حدودًا لا يتجاوزونها أو أن هناك ما هو خارج نطاق سلطتهم. يعتقد الملايين من الأميركيين من اليمين واليسار أن لكل مشكلة حلًّا؛ والقول بخلاف ذلك يثير مقاومة عميقة ومعادية في كثير من الأحيان. لا يعني قبول وضعنا الحالي أننا نفكر تفكيرًا خاطئًا، بل يعني أننا نفكر فيما لا يمكن التفكير فيه.
ومع ذلك، ففي زمن الأزمة هذا يظهر دافعنا البشري لخلق المعنى مرة أخرى باعتباره خلاصنا الوحيد إن كنا على استعداد لأن نتفكر بوعي في الطرق التي نستطيع من خلالها أن نجعل هذه الحياة ذات معنى – أي أن نحدد ما هو الخير؟ وما هي أهدافنا؟ وما الذي يستحق أن نحيا أو نموت لأجله؟ وماذا نفعل كل يوم وكيف نفعل ما نفعله؟
فإذا كان صحيحًا أننا نحن من نجعل لحياتنا معنى وليس من خلال حكمة تأتينا من إله أو من السوق أو التاريخ، فإن من الصحيح أيضًا أننا نحمل داخل أنفسنا القدرة على تغيير حياتنا تغييرًا كليًّا من خلال تغيير ما تعنيه هذه الحياة. إن دافعنا لخلق المعنى أقوى من النفط ومن الذَرَّة ومن السوق، والأمر متروك لنا لتسخير هذه القوة فيما يؤمّن مستقبل الجنس البشري.
لن يتسنى لنا ذلك بتشبثنا بأيديولوجية الرأسمالية التقدمية الساعية وراء الربح والقائمة على النفط وعلى فكرة أن التقنية تحل كل شيء. ولن يتسنى لنا ذلك بمحاولتنا السيطرة على المستقبل.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف ندع حضارتنا الحالية تموت، وأن نتواضع ونتقبل حقيقة أننا بشر فانون. نحن بحاجة إلى العمل معًا على تحويل النظام العالمي من نظام عالمي يركز على التراكم إلى نظام جديد من المعنى يعرف قيمة حدودنا وقيودنا وحقيقة أننا بشر زائلون.
إننا أحوج ما نكون إلى أن نكف عن الدفاع عن حقيقتنا ومنظورنا وقيمنا الغربية، وأن نفهم أن الحقيقة لا توجد في منظور واحد، بل في منظورات متعددة، وليست في وجهة نظر واحدة، بل في وجهات النظر كلها، وليست مع المعارضة، بل مع الجميع. نحن بحاجة إلى أن نتعلم ألا ننظر إلى الأمور بعيون غربية فحسب، بل أن ننظر إليها بعيون المسلمين، وبعيون شعب الإنويت، وأن نتعلم ألا ننظر فقط بعيون البشر، ولكن كذلك بعيون الطيور وأسماك السلمون والدببة القطبية، وألا ننظر بالعيون فحسب بل بالغيم والبحار والصخور والأشجار والنجوم، تلك الموجودات التي بالكاد تنطق.
لقد جئنا إلى هذه الحياة عشية أعظم كارثة بشرية تمر على هذا العالم. لم يختر أحد منا المجيء إلى هذا العالم ولم يطلبه، وليس بوسع أي منا تجنب ذلك. سوف يمر بعضنا بهذه الكارثة. إن المعنى الذي سنورثه للمستقبل يعتمد على مدى تذكرنا لأولئك الذين سبقونا وعلى مدى حكمتنا وكرم أخلاقنا في التخلص من أسلوب الحياة الهدام الذي يدمرنا اليوم، ويعتمد كذلك على مدى وعينا في تأكيد دورنا في صنع مستقبلنا المحتوم.
إن التسليم بخطورة أوضاعنا ليس عدمية، بل هو خطوة أولى ضرورية لصياغة طريقة حياة جديدة. هناك خيار ثالث بين تدمير الذات والاستسلام، وبين إرادة العدم وعدم الإرادة، إنه إرادة مصيرنا، إنه الخلق الواعي للذات. إننا مدينون للأجيال التي أحرقنا مستقبلها وأهدرناه بأن نبني لهم الجسور، وأن نكون نحن جسرا لهم، ونربط بين التقاليد الإنسانية المتنوعة لصنع المعنى في الماضي وبين أولئك الناجين من أبناء عصر تأثير الإنسان على الكوكب، أولئك الذين سيبنون عالماً جديدًا من بين الأنقاض.
الكاتب: مؤلف كتاب “تعلم الموت في الأنثروبوسين: تأملات في نهاية الحضارة” والرواية القادمة “إباحية الحرب”. شارك في تحرير كتاب “النار والنسيان: قصص قصيرة عن حرب طويلة”. كما يكتب روي لصحيفة نيويورك تايمز، والأمة، والنظرية والحدث، ورولينج ستون وغيرها من الصحف.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
?We’re Doomed. Now What
Roy Scranton
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
