2025-11-23

٢٣ أغسطس ٢٠١٨
لا يمكننا تعريف أنفسنا إلا من خلال إعادة تقييم إنسانيتنا باستمرار
العديد من مشاكل العالم اليوم حين يتأملها المرء يجد أنها تستدعي الإجابة عن سؤال قديم: ما معنى أن تكون إنسانًا؟
أعتقد أنه لا وجود لإجابة واحدة ثابتة. إننا نحن البشر لسنا سوى تصوراتنا عن أنفسنا، وهذا يعني أمرين؛ ما سنكون عليه نحن البشر وما نقوله عن أنفسنا. وتصوراتنا لأنفسنا هي بدورها استجابات للظروف التي نواجهها في بيئاتنا، وهذه الظروف تتغير دوما بتغير الزمان والمكان. الطريقة الوحيدة للإجابة عن هذا السؤال هي في النظر إلى الكيفية التي يرى الشخص بها نفسه والآخرين في نطاق الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لعصرهم.
ليس ثمة وجود للإنسان المجرد. ولا معنى لسؤالنا “ما معنى أن تكون إنسانًا؟” إلا عندما ننظر إلى الناس باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من تجاربهم؛ أي مواقفهم الاجتماعية وتعليمهم وذكرياتهم في سعيهم وراء مُثُلهم.
يبدو أن الجميع متفقون على أننا نعيش اليوم في عصر مميز تمامًا. قد نطلق على هذا العصر تسميات مختلفة؛ عصر العولمة وعصر الإنترنت وعصر الرأسمالية المتأخرة وعصر انهيار أيديولوجية الحرب الباردة، وكل هذه المصطلحات تسعى إلى وصف الوضع الجديد في هذا العالم. ولعل أكثر ما يلفتنا في هذا الوضع الجديد أننا أصبحت لدينا حرية الوصول إلى المعلومات والمعارف والاستفادة من التقنية أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه فإن القوى التي تميل إلى تقييد حرياتنا الشخصية، كالدول والأديان والهويات العرقية ومجموعات المصالح الاقتصادية وغيرها، تنحلّ وتعيد تنظيم نفسها من جديد. بعضها يموت بينما تزداد قوة البعض الآخر على نحو ملحوظ.
قد تكون مثل هذه التغيرات محيرة للعقل. قد تصعِّب مثل هذه التغيرات علينا تذكّر مواطننا والتعرف على لغاتنا وعاداتنا التي ألفناها وتصعِّب علينا كذلك معرفة ما ننتمي إليه الآن. إن سؤال “ما الإنسان؟” أو “ما معنى أن تكون إنسانًا؟” له وجه جديد تماما، وستكون إجاباتنا اليوم مختلفة عن إجابات الماضي.
وما يعيننا على الإجابة عن هذا السؤال يختلف حتما باختلاف تجاربنا الشخصية. على سبيل المثال بالنسبة لي شخصيا من الواضح أن عبوري من خلال خلفيات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية عدة، سواء عندما كنت فنانا أو سجينا سياسيا في الصين أو كما هو حالي وأنا مغترب الآن، هذه الخلفيات أجبرتني غير مرة على تعديل وتغيير فهمي لمعنى أن تكون إنسانًا.
إنه لخطأ فادح أن نتجنب هذا السؤال، وعلينا أن نطرحه ونعيد طرحه مرارًا. إن النقاشات والآراء التي أفضت في الماضي إلى الحكمة الإنسانية كانت في الأساس إجابات على نفس السؤال، بحسب العصر الذي طرح فيه السؤال والسياق السياسي والاجتماعي لذلك العصر، وهو سؤال ذو صلة بكل المستويات الاجتماعية؛ الفرد والمجتمع والأسرة والأمة. وتنشأ العديد من الخلافات السياسية والثقافية التي نشهدها في العالم اليوم بسبب الإحجام عن مواجهة هذا السؤال الأساسي مواجهة مباشرة، والتوصل إلى تعريفات واضحة بشأنه.
تشمل البشرية كل واحد منا. ومهما كانت الإهانات السياسية والثقافية التي يجلبها لنا التاريخ مخيفة فإن آخر ما نمتلكه والذي سيبقى معنا حتى لو كنا في صحراء قاحلة هو احترام كرامة الإنسان.
كل شيء متوقف على كيفية تعريفنا لأنفسنا وعلى كيفية تعاملنا مع أولئك الذين نتشارك معهم ما يحيط بنا، وما يعج به من أعراق وديانات وثقافات مختلفة. سيُقدّر لنا الفشل إن فقدنا استقلالية التفكير وفقدنا القدرة على تقييم أنفسنا وتعريفها بحرية.
يجب في نظري أن يكون تعريف الذات هو المبدأ النهائي والأكثر ثباتًا لدى كل أحد. إنها الدعامة الصلبة للأخلاق والجمال والفلسفة العملية. إن أفلتت منا ولو للحظة فإن الإجابة على سؤال “ما معنى أن تكون إنسانًا؟” ستكون: “لا شيء”.
الكاتب: فنان مقيم في برلين.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
The Question We Must Keep Asking
Ai Weiwei
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
