2025-07-23

١٢ سبتمبر ٢٠١٥
لحسن الحظ، ولسنوات عدة، قمت بتدريس الكثير من طلاب الدراسات العليا، أغلبهم في مجال الفلسفة. فلاحظت حقيقة متكررة: وراء كل طالب مستجد في الدراسات العليا معلّم جامعي فتح بصره وسمعه على إمكانية الحياة بالعقل التي ربما قد تخيل إمكانها، ولكنه نادرًا ما اعتقد أنها قريبة من مناله. معلّمٌ، بقوة حضوره حرّك الرغبة في قراءة المزيد ودراسة المزيد ومعرفة المزيد. معلّم تلقى منه الطالب شيئًا أخاذًا أو ظريفاً أو غريبًا جدًا. معلّم أصاخ سمعه للطالب فمنحه بهذا الاهتمام الثقة والإيمان بالنفس. هؤلاء المعلمون، غالبًا، هم أبطال غير معروفين وغير ملاحَظين (ويتقاضون أجورًا منخفضة) في عالم التعليم العالي.
ظفر المحظوظ من الطلاب بالعديد من مثل هؤلاء المعلمين، وهذا ما حدث معي. ولكن عادة ما يكون هناك واحدٌ منهم يبقى في ذهن المرء دون سواه، وتبقى كلماته كصدى يتردد في أعماقنا على مر السنين. تختزن ذكرى هؤلاء المعلمين جميع أنواع الحكايات التي يستذكرها طلابهم باعتزاز من خلال ملاحظاتهم وطرفهم الذكية. والأغلب أنهم لا يكتبون، أو مقلّون في كتابتهم. فهم لا ينخرطون مع غيرهم في مشاريع “البحث”، مهما كان لهذا المصطلح من قيمة في مجال العلوم الإنسانية، فهم يُدرّسون، ويتحدثون فقط، وفي بعض الأحيان ينصتون ويطرحون الأسئلة.
أما فيما يتعلق بالفلسفة، فهذه الظاهرة ليست بحديثة. بدأت الفلسفة بسقراط، الذي لم يكتب، وقد رويت عنه العديد من القصص التي مازلنا نقرأها، كتبها أفلاطون وآخرون كزينوفون. غالبًا ما يحتل مركز أي ثقافة فلسفية مشرقة شخصيات لا تكتب، لكنها حاضرة بالقصص التي تُروى عنها. يذكرني هذا الحديث بأستاذ الفلسفة المخضرم في جامعة كولمبيا، السيد سيدني مورجنبيسر، والذي وُصفَ مرةً بأنه “عقل طلق”. فقد صرّح الفيلسوف روبرت نوزيك والذي تخصص في دراسة مورجنبيسر أثناء دراسته الجامعية، أنه، حين وافته المنية، تساءل: “لماذا يجعلني الله أعاني بشدة؟ ألأنني لا أؤمن به فقط؟”
تبدو هذه الحكايات عرضية، لكنها مهمة جدًا، فقد غدت وسيلة لتبجيل المعلمين وإضفاء الطابع الإنساني عليهم، سواء لتعظيمهم أو للتقليل من شأنهم ما يمنحنا شعورًا بالحميمية معهم، ويبقيهم في المستوى الإنساني. غالبًا ما يكون الاختبار الحقيقي للفيلسوف هو كم القصص المتداولة عنه.
أود الحديث عن معلّمي الجامعي التي قُصَّت عنه العديد من الحكايات، لكنه غير معروف على نطاق واسع. اسمه فرانك شيوفي Frank Cioffi (1928-2012)، وهو أمريكي إيطالي من عائلة ريفية قضى سنواته الأولى بالقرب من ساحة واشنطن. ماتت والدته حين ولادته، وتوفي والده المضطرب وقت رضاعته. فنشأ على يد جَديه ذوي اللهجة النابولية. انسحب من الدراسة الثانوية، وقضى بعض الوقت مع جيش الولايات المتحدة في اليابان ثم في فرنسا ضمن لجنة مقبرة الحرب قائمًا بدور التعرف على جثث الجنود. في عام 1950، مستفيدًا من قانون إعادة تكييف قدماء المحاربين G.I. Bill، تمكن بطريقة ما من الدخول إلى كلية روسكين، أكسفورد، حيث بدأ في دراسة الفلسفة فاكتشف أعمال فيتجنشتاين، الذي بدأ فكره بالانتشار لاحقًا. بعد التدريس في سنغافورة وكينت، أسس قسم الفلسفة في جامعة إسيكس في أوائل السبعينيات. قابلته هناك عام 1982. كان رجلاً لا يُنسى.
أصبح فرانك (هكذا يُشار إليه دائمًا) مؤخرًا موضوعًا لكتاب مشوق من تأليف ديفيد إليس، بعنوان “فرانك شيوفي: فيلسوف بلا مِعطَف” (Frank Cioffi: The Philosopher in Shirt Sleeves). يمنحنا العنوان إحساسًا دقيقًا لما شعرت به في مكتب فرانك، لكنه في الحقيقة عنوان مُضلل، لأنني لا أتذكر فرانك من غير معطف أبدًا، فقد اعتاد على أن يرتديه مقلوبًا من الداخل إلى الخارج. لم يستعمل أربطة لأحذية العمل التي كان يحتذيها دائمًا، والأغرب من ذلك كله، بسبب حساسيته الحادة من الأقمشة، فقد كان يلبس بيجاما تحت ملابسه في جميع الأوقات. كلمة “فوضوي” متواضعة أمام التأثير البصري لفرانك على الحواس؛ فقد كان رجلاً قوي البنية وضخمًا جسديًا بطول مترين تقريبًا. لا يكترث كثيرًا لحالة سحَّاب بنطاله (بعد بضع سنوات، كانت نصيحته التعليمية الوحيدة لي هي: “تحقق من سحَّابك دائمًا”)، وكانت بيجامته بارزة على حدود مِعطفه، وبدا أحيانًا أنه يثبت سرواله بخيط. وغالبًا ما ترك في جيوبه قصاصات ورقية تحمل اقتباسات مكتوبة على الآلة الكاتبة من مؤلفيه المفضلين والموقرين لديه كجورج إليوت وتولستوي وشيرلوك هولمز وآرثر كونان دويل.
معتمرًا نسخة مبكرة من مشغل الموسيقى سوني ووكمان، كان يقطع فرانك يوميًا عدة أميال من منزله بكولشيستر Colchester للوصول إلى جامعة إسيكس Essex، دستوبيا العمارة الصارخة. افترضت دائمًا أنه يستمع إلى الموسيقى، لأكتشف بعد سنوات أنه كان يستمع إلى تسجيلات بصوته الشخصي لمقاطع من الكتب. أذكره وهو يقول خلال محاضرة إنه “ليس فيلسوفًا للنشر”، وهذا ليس صحيحًا بالمطلق، فكتبه، مثل كتاب: “فيتجنشتاين حول فرويد وفريزر” (1998)، كانت رائعة، إلا أن نثره المتشابك إلى حد ما لا يضاهي ما كان عليه في محاضراته. كانت محاضراته عروضًا مذهلة وغير مكتوبة وممتعة للغاية، إذ كان يتحرك عبر مجموعة واسعة من الاقتباسات والتأملات، ويجهد نفسه كثيرًا كي يكبح شغف تفكيره. من حين لآخر كان يجلس فجأة على حافة مكتب أحد الطلاب مدخنًا سيجارة هندية صغيرة (نعم، كان ذلك منذ زمن بعيد). كنا آنذاك مرعوبين ومنبهرين.
كنت أَدْرِسُ الأدب الإنجليزي والأوروبي في سنتي الأولى بالكلية، لكني وصديقي ويل كنا نفكر في التحول إلى الفلسفة، ويعود الفضل في هذا القرار جزئيًا إلى فرانك. ذهبنا لرؤيته في مكتبه للحصول على المشورة. لا أذكر أنه أشار علينا بشيءٍ مهم. جلسنا معه لمدة ساعة تقريبًا، وأذكر أنه خلالها روى لنا قصة وضعه للسم للتعامل مع الصراصير التي اجتاحت مكتبه أثناء فترة تدريسه في سنغافورة. ذات يوم، بينما كان يراقب حشرة تموت من الألم في زاوية غرفته، قال لنفسه: “رغم كل شيء هناك مشكلة مع العقول الأخرى [تعبير يعني وعي المخلوقات الأخرى]. إنها مسألة حقيقية. كنت أعلم أن الحشرة ستموت من الألم وشعرت بتعاطف عميق، فتوقفت عن تكرار ذلك.”، بعدها تحولت أنا وويل إلى الفلسفة على الفور ولم ننظر إلى الخلف أبدًا.
بعد بضع سنوات، عدت إلى مكتبه لأستأذنه التبديل بين مَساقين. رد بدون مبالاة: “أي مساقين؟”، فأجبته: “من المفترض أن أدرس فوكو، لكني أرغب في دراسة دريدا”، فرد: “يا رجل! هذا كالانتقال من كلام فارغ إلى هراء”. في الحقيقة، كما يؤكد الآخرون، كانت الكلمة الأخيرة هي مصطلحه الأكثر شيوعًا وهي تعبّر أيضًا عن نهجه في الفلسفة: لا هراء.
في مقدمة كتاب “التنوع في الخبرة الدينية”، قال ويليام جيمس إنه يعتقد أن “التعرف الدقيق على التفاصيل يكسبنا حكمة أكبر من تلك التي نكسبها من الصيغ المجردة، مهما كانت عميقة”. كانت هذه عقيدة فرانك التربوية، لذا كان يتعمق في تدريسه من الخاص إلى الخاص. غالبًا ما كان يعمل باقتباسات مكتوبة على قصاصات مخبأة في جيوبه، ليسحبها أثناء شرحه بأداء درامي بديع. كره فرانك النظريات الكبرى وأي نوع من التظاهر الميتافيزيقي، فقد استخدم القليل من الاقتباسات المتعلقة بالتفسيرات الكبرى. كان يستخدم “الخاص” لحكِّ قشرة “العام” لكشفه، تمامًا كما يُعالج الجرح.
مقت فرانك، بشكل خاص، فرويد، فقد اعتقد أنه كاتبٌ يتمتع بإدراك عظيم وتعبير متين، ولكنه كان مخدوعًا تمامًا بشأن عواقب آرائه النظرية. كتب فرانك في كتابه (فيتجنشتاين حول فرويد وفريزر): “تخيل عالماً تضحك فيه الناس على النوادر، لكن على العكس منا، فهم لم يعرفوا ما الذي كان يضحكهم حتى اكتشفوا عمليات اللاوعي التي افترضها فرويد”. بالنسبة لفرانك، كان هذا هو العالم الذي خدعنا فيه فرويد وخدع نفسه للاعتقاد بأنه يعيش فيه. وقد قارن افتتان القرن العشرين بالتحليل النفسي بافتتان القرن التاسع عشر بعلم الفراسة، “علم” نتوءات الجمجمة. أعتقدُ أنه كان سيتوصل إلى استنتاجات مماثلة جدًا حول بدعة بدايات القرن الحادي والعشرين لعلم الأعصاب وهوسنا بالدماغ.
على الرغم من الاتساع المذهل لاهتماماته، تحوّل هوس فرانك الأساسي في التدريس إلى العلاقة بين العلم والعلوم الإنسانية. كان اهتمامه على وجه الخصوص بعلاقة التفسيرات السببية التي يقدمها العلم بأنواع الوصف الإنساني الذي نجده في روايات ديكنز أو دوستويفسكي مثلاً، أو في الكتابات الاجتماعية لإرفينغ جوفمان وديفيد ريسمان. سعى محاولاً تحديد الحالات التي يكون فيها التفسير العلمي مناسبًا وتلك الذي أخفق فيها، وعليه فنحن نحتاج بدلاً منه إلى الملاحظة الإنسانية. اقتنع بأن حيرتنا بين العلم والعلوم الإنسانية كان لها عواقب مجتمعية واسعة النطاق ومؤذية.
لأعطي مثالاً، تخيل أنك مكتئب بسبب وفاة أحد أفراد عائلتك، أو بسبب فراق أو عمل شاق قمت به وبدا أن لا طائل منه، فتوجهت إلى الطبيب. بعد محاولتك لتبيان ما تعانيه، أخذ الطبيب يتململ وينظر إلى ساعته، ثم قال: “آه، فهمتُ مشكلتك. خذ هذه الحبة الزرقاء وستُشفى”. مهما كانت نجاعة العلاج، سيكون التشخيص السببي للطبيب في هذه الحالة تشخيصًا خاطئاً. المُراد هو أن تكون قادرًا على التحدث، وأن تشعر أن شخصًا آخر يفهم ما يعتمل بداخلك وقادر على تقديم بعض الأفكار أو حتى الاقتراحات لكيفية تجاوز ما تعانيه، والمضي قدمًا في حياتك. أحسبُ أن هذا هو السبب لقصد الناس إلى المعالج النفسي.
لكن دعونا نعكس المسألة. دعنا نتخيل أنك على متن عبّارة تُبحر في القناة الإنجليزية خلال عاصفة شتوية مروعة، بحيث لا تستطيع السيطرة على غثيانك، فتهرع إلى سطح العبارة لتتقيأ ما تناولته طيلة اليوم وبقايا من عشاء اليوم السابق. تشعر بالبؤس لدرجة أنك لم تعد تخشى الموت، بل وتتمناه أيضًا. فجأة، على ظهر العبارة العاصف، يظهر رونالد ديفيد لينغ، الطبيب النفسي الوجودي الأكثر مهارة وكاريزمية وموهبة خطابية في جيله، مرتديًا بدلة مخملية زرقاء. يشرع في إعطائك وصفًا ظاهريًا مكثفًا لما تشعر به أحشاؤك، ولإحساسك بعدم الاتزان وبرودة جسدك وفقدانك المفاجئ لإرادة الحياة. هذا أيضا مناف للصواب؛ فعلى ظهر العبارة أنت محتاج إلى الحبة الزرقاء لتخفف من أعراض دوار البحر وتحسن من شعورك.
وجهة نظر فرانك هي أن مجتمعنا في حيرة من أمره بين الحالات التي يحتاج فيها للحبة الزرقاء، والحالات التي لا يحتاجها فيها، أو عندما يحتاج إلى تفسير سببي أو إلى مزيد من التوصيف والتوضيح والإبانة. نميل إلى التشويش على أنفسنا فنتخيل أن نوعًا واحدًا من التفسير (عادةً التفسير السببي Causal Explanation) سيكفينا في جميع الحالات، بينما الأمر ليس كذلك.
يمكننا العودة في هذا الموضوع إلى التمييز الكلاسيكي الذي قدمه ماكس فيبر بين التفسير (Explanation) والتوضيح (Clarification)، بين الفرضيات السببية (Causal Explanation) والتأويل (Interpretation). فكرة فيبر هي أن الظواهر الطبيعية تتطلب تفسيرًا سببيًا، من النوع الذي تقدمه الفيزياء مثلاً، بيد أن الظواهر الاجتماعية تتطلب تبيينًا بتوصيف أكثر ثراءً وتعبيرًا. يرى فرانك أن إحدى المهام الرئيسية للفلسفة هي مساعدتنا على توضيح هذا التمييز وتقديم الاستجابة الملائمة في الوقت المناسب. هذا، بالطبع، يتطلب الحكم، وهو أمر ليس من السهل تعليمه.
لنتقدم خطوة للأمام، في نهاية كتابه عن فيتجنشتاين، ذَكرَ فرانك ورقة فلسفية (متخيلة أو حقيقية، لستُ متأكدًا) بعنوان “سد الفجوة التفسيرية بين الكواليا والمادية” (Qualia and Materialism —Closing the Explanatory Gap). تفترض الورقة أمرين: الأول هو أن هناك فجوة بين الطريقة التي نختبر بها العالم، أي تجاربنا الذاتية الواعية (الكواليا)، والتفسير العلمي للقوى المادية التي تشكّل الطبيعة. كما تفترض الورقة، كفرض ثاني، إمكانية سد هذه الفجوة من خلال تفسير نظري شامل. يمضي فرانك ليشير إلى أنه إذا تمكنا من تخيل مثل هذه الورقة، فيمكننا أيضًا تخيل أوراق فلسفية أخرى بعنوان “سد الفجوة التفسيرية بيني وبين الانفجار العظيم” أو “سد الفجوة التفسيرية بيني وبين الانتقاء الطبيعي”.
هذا هو خطر ما يسميه البعض بالنزعة العلمية (العلموية، Scientism)، أي الاعتقاد بأن العلم الطبيعي قادر على تفسير كل شيء حتى تفاصيل حياتنا الذاتية والاجتماعية. تفترض هذه النزعة أن كل ما نحتاجه هو منحى علمي أقوم، نظرية أكثر اكتمالا، “نظرية كل شيء”. إنها فكرة جد شائعة، حتى أن هناك عدد من أفلام هوليوود حازت على جائزة الأوسكار أنتجت حول هذا الموضوع. وجهة نظر فرانك، التي لا تزال مهمة للغاية، هي أنه لا توجد نظرية كل شي، ولا ينبغي لها أن تكون. هناك فجوة بين الطبيعة والمجتمع. الخطأ الذي تقع فيه النزعة العلمية هو الاعتقاد بأن هذه الفجوة يمكن، أو يجب، سدَّها.
إحدى المشكلات الكبرى مع النزعة العلمية هي أنها تحفّز، كرد فعل تحسسي تقريبًا، الرفض التام للعلم. للأسف، هذا ما نشهده بأنفسنا باستمرار مع منكري تغير المناخ، والمؤمنين بتسطح الأرض، والأصوليين الدينيين. هذا ما نسميه بالنزعة الظلامية (Obscurantism)، أي تفسير الظواهر بطريقة مغايرة للطريقة العلمية، أي بالإشارة إلى قوى غامضة كالإله، أو القاهر زيوس، أو إلهة الأرض الحميدة، أو الجنيات اللائي يسكنَّ عوالم حديقتي السفلى. من أجل مواجهة الظلامية لسنا في حاجة إلى الوقوع في أحضان النزعة العلمية، بل علينا البحث عن نظرة عامة أوضح عن الحالات التي تكون فيها الملاحظة العلمية مناسبة والحالات الآخرى التي نحتاج فيها إلى تفسير آخر، كالإبانة والكشف الذي نجده في القصص، والشعر، أو عندما نشاهد فيلمًا أو مسلسًا جيدًا (بالمناسبة، لقد شاهد فرانك الكثير من المسلسلات التلفزيونية).
غالبًا ما يتساءل الناس عن سبب عدم تقدم مجال الفلسفة مقارنة بالعلوم الطبيعية. ولماذا بعد حوالي ثلاثة آلاف عامٍ من النشاط الفلسفي، يبدو أنه لم تحدث تغييرات جذرية على أسئلة الفلاسفة. السبب هو أن الناس مازالوا يطرحون الأسئلة نفسها، وتتحيرهم الصعوبات ذاتها. يضع فيتجنشتاين النقاط على الحروف بشكل أدق إلى حد ما: “الفلسفة لم تحرز أي تقدم.. إذا حَكَّ شخص ما الموضع الذي يعاني فيه من الحكة، فهل علينا أن نعد ذلك تقدمًا؟” تحك الفلسفة جلدنا، ليس من أجل أن تجد علاجًا لما يزعجنا، ولكن من أجل الحك في الموضع المناسب والبدء في فهم سبب انخراطنا في مثل هذا النشاط المزعج على ما يبدو. الفلسفة ليست مرهمًا، ولا بلسمًا للعلاج، إنها مزعجة، ولهذا وَصَفَ سقراط نفسَه بالذبابة.
هذه إحدى طرق التعامل مع سؤال معنى الحياة. طرحَ الإنسان الأنواع ذاتها من الأسئلة منذ آلاف السنين وهذا ليس خطأ. إنه يشهد على حقيقة أن الإنسان في حيرة من أمر حياته. الخطأ هو الاعتقاد أن هناك إجابة على هذا السؤال. منذ زمن، قرر دوغلاس آدامز Douglas Adams، إن الإجابة على سؤال الحياة، وسؤال الكون، وكل شيء ستكون دائمًا “٤٢”، أو شيئًا مشابهًا. أي، و بصريح العبارة، ستكون الإجابة مخيبة للآمال.
إذن، فالهدف ليس البحث عن إجابة لمعنى الحياة، ولكن الاستمرار في طرح الأسئلة. هذا ما فعله فرانك في حياته وتعليمه. يروي ديفيد إليس في كتابه قصة حول فرانك عندما كان في المستشفى، جاء صديق لزيارته فلم يعثر على غرفته، فسأل ممرضة عنه، فأجابت: “أوه، تقصد المريض الذي يعرف كل الإجابات”، هنا، سمع صوتًا من تحت ملاءة السرير القريب منه: “لا، أنا أعرف كل الأسئلة”.
لسنا في حاجة إلى إجابة واحدة لسؤال معنى الحياة، تمامًا كما لسنا في حاجة إلى نظرية لكل شيء. ما نحتاجه هو وصف متنوع لأشياء كثيرة؛ إلى مزيد من الأوصاف التي تُبين لنا ما خفي وراء الظواهر، والتي تكشفها وتدعونا لنراها من جديد. هذا ما كان يفعله فرانك باقتباساته وبتنوعه المفعم بالتفاصيل. إنها تسمح لنا أن نفصح عن حيرتنا، ونهتم بدهشتنا التي غالبًا ما تمر في «حياتنا الداخلية» وتهبنا نظرة عامة على الأشياء. قد نشعر بالانتعاش والتوهج، وحتى قليلاً من التغيّر، لكن هذا لا يعني أننا سنتوقف عن حكِّ موضع تلك الحكة. في عام 1948، كتب فيتجنشتاين، “عندما تتفلسف، عليك أن تنغمس في قاع الفوضى، وتشعر أنك منتمٍ إليها”.
اسمحوا لي بإضافة غريبة. بعد وقت قصير من علمي بخبر وفاة فرانك في عام 2012، فتحت بريدي الإلكتروني ذات صباح لأجد رسالة من “فرانك شيوفي”. تجمدتُ فجأة، كما لو أن شخصًا سار فوق قبري أو خَدَشَ بشرتي بأظافره. اكتشفت بعد ذلك أن المُرسِل، المُطابق اسمه لاسم فرانك، هو ابن شقيق فرانك، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة مدينة نيويورك، والذي كان يَعدُّ بحثًا حول أعمال عمه. لكن هذا هو الشيء العظيم في المعلمين. إنهم لا يموتون أبدًا. إنهم يعيشون في القصص التي نرويها عنهم.
الكاتب: سيمون كريتشلي أستاذ الفلسفة في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية. ألف العديد من الكتب، بما فيها رواية بعنوان “مسرح الذاكرة”. ويدير هذه السلسلة.
المترجم: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
There Is No Theory of Everything
Simon Critchley
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
