2026-09-28
محمد بن ماضي
ما الحب؟ هل نحب (س) لأنه هو، أم لأننا نحب ما يتصف به من مزايا، أو ما يربطنا به من قرابة وعلاقة؟
قد أحب (س) لأنه قريبي، أو لأنه بشوش، أو لأنه يعينني، أو لأنه يحبني ويحترمني، أو لأي شيء آخر. لكن ماذا يحدث إذا تغيّرت هذه الصفات أو الروابط؟ إذا فقد بشاشته، أو كفّ عن إعانتي، أو لم يعد يحبني ويحترمني، فهل يزول حبي له بالضرورة؟ وإذا ظهر (ص) يحمل الصفات نفسها، بل يتفوق عليه فيها، فهل ينتقل حبي من (س) إلى (ص)؟
يبدو أن في الحب ما يقاوم هذه المعادلة. فلو كنت أحب (س) لبشاشته، لكان كل بشوش مرشحًا لحبي، ولو كنت أحبه لنفعه لي، لكان الأكثر نفعًا أولى به. ولو كان احترامه لي شرطًا في حبي، لوجب أن ينتهي الحب بانتهائه، وأن أحب كل من يمنحني الاحترام نفسه. لكن التجربة لا تقول ذلك بالضرورة. فقد يفقد احترامي له، أو أفقد احترامه لي، ولا أفقد حبي له، وقد أفقد الثقة به وأظل أحبه، وقد أبتعد عنه ويبقى الحب قائمًا. بل قد تزول الصفات التي ظننتها أسبابًا لحبي، ثم أجد الحب مستمرًا بعد زوالها.
نصل هنا إلى مأزق أصعب: إذا نزعت عن (س) كل الصفات التي ظننت أنني أحببته من أجلها، فما الذي يبقى منه ليكون موضوعًا لحبي؟ هل أحب ذاته؟ غير أن هذه الذات لا تظهر لي منفصلة عن صفاتها وتاريخها وعلاقاتها. لا أستطيع الوصول إلى (س) إلا من خلال ما يظهر به لي، ومع ذلك لا أستطيع اختزاله فيما يظهر به؛ لأن (ص) قد يحمل الصفات نفسها، وربما بصورة أفضل، ولا يصبح بذلك (س)، ولا ينتقل إليه حبي.
نستطيع أن نعرف أشياء كثيرة يمكن للحب أن يبقى من دونها، لكننا لا نستطيع بعد أن نعثر على ذلك الشيء الذي لا يكون الحب حبًا من دونه. فهل كنا نبحث في المكان الخطأ؟ ربما لا تكمن ماهية الحب في شيء خفي وراء التجربة، وإنما في التجربة نفسها؛ في الكيفية التي يظهر بها المحبوب لنا، وفيما يحدث للعالم حين نحبه.
ماذا لو بحثنا في الشعر، أو في حديثنا اليومي، عن ممر يمكننا من النفاذ إلى الحب؟ هل يمكن أن يحقق لنا شطر من قصيدة للشاعر إيليا أبي ماضي ذلك؟
“أَحْبِبْ فَيَغْدُ الكُوخُ قَصْرًا نَيِّرًا”
الكوخ هو الكوخ؛ لم تتبدل جدرانه، ولم تتسع حجراته، ولم يتحول ماديًا إلى قصر. ومع ذلك لم يعد الكوخ نفسه بالنسبة لمن يحب. ماذا تغير إذن؟ ليس الكوخ، بل موقعه في عالم صاحبه. وهذا يعيدنا إلى (س). فالحب لا يضيف إلى ملامحه شيئًا، ولا يمنحه بالضرورة صفات لم تكن فيه، لكنه يغير موقعه في مجال انتباهنا وفهمنا. لا يعود الوجه مجرد وجه بين الوجوه، ولا الصوت مجرد صوت بين الأصوات، ولا الاسم مجرد علامة بين العلامات. ولعل هذا هو السبب في أن (ص) لا يستطيع أن يحل محل (س)، ولو حمل صفاته كلها. فالمحبوب ليس حاصل جمع خصائص يمكن نقلها إلى شخص آخر؛ إنه هذا الشخص بعينه، بهذه الصفات، وهذا التاريخ، وهذه الذكريات، وبهذا الحضور الذي تشكل داخل عالمنا.
لكن هل يعني ذلك أن الحب يجعل المحبوب جميلًا؟ ليس بالضرورة؛ بل لعل قولنا إنه جميل لأننا نحبه لا يقل إشكالًا عن قولنا إننا نحبه لأنه جميل؛ لأننا في الحالتين نفترض أننا نعرف مسبقًا ما الجمال. وربما كان الجمال نفسه محتاجًا إلى السؤال قبل أن نجعله سببًا للحب أو نتيجة له. ما نستطيع قوله بدرجة أكبر من الاطمئنان هو أن الحب يجعل (س) ذا شأن خاص. بعض تفاصيله التي كانت ستمر بلا انتباه تصبح لافتة، وبعض الأشياء التي تتصل به تكتسب معنى لم يكن لها من قبل.
ولننظر في العبارة الشائعة “الحب أعمى”؛ فنجدها تضعنا أمام مفارقة جديرة بالتأمل. فنحن نقولها عادة حين يحب شخصٌ (س) على نحو لا نفهمه نحن؛ نرى فيه عيوبًا لا يبدو أن المحب يراها، أو لا نرى فيه ما يستحق ذلك الحب. فنحكم بأن الحب قد حجبه عن رؤية الحقيقة في محبوبه. لكن ماذا لو كان السؤال أكثر تعقيدًا من ذلك؟ ماذا لو كان المحب لا يفشل في رؤية ما نراه فقط، بل يرى أيضًا ما لا نراه نحن؟
نحن ننظر إلى (س) من خارج علاقة الحب، فنقارنه بغيره، ونجد من هو أجمل أو ألطف أو أكثر نفعًا منه. أما المحب فلا يظهر له (س) بوصفه واحدًا في سلسلة يمكن ترتيب أفرادها وفق صفاتهم، بل بوصفه هذا الشخص بعينه. ومن هنا قد يكون الحب كاشفًا وحاجبًا في آن واحد: يكشف من فرادة المحبوب ما لا يظهر لغير المحب، وقد يحجب في الوقت نفسه بعض ما يستطيع الآخرون رؤيته فيه. لذلك لا يكفي أن نقول إن الحب أعمى، كما لا يكفي أن نقول إنه مبصر. فالسؤال الأهم هو: ماذا يجعلنا الحب نرى، وماذا يحجب عنا حين نرى من خلاله؟
الحب إذن ليس مجرد شعور يحدث داخلنا تجاه عالم مكتمل خارجنا، بل هو إحدى الكيفيات التي نجد بها أنفسنا في العالم. إنه لا يستجيب فقط لما نجده من قيمة ومعنى في شخص قبل أن نحبه، بل يكشف لنا هذا الشخص بوصفه ذا شأن خاص في عالمنا. ولا يعني ذلك أن الحب يخلق قيمة (س) من العدم. فثمة فرق بين أن أقول إن (س) لا قيمة له إلا لأنني أحببته، وبين أن أقول إن الحب كشفه لي على نحو جعل شأنه حاضرًا في عالمي حضورًا لم يكن له من قبل.
بيد أنني لا أحب من دون ذاكرة، ولا أنظر إلى (س) بعين خرجت لتوها إلى العالم. أحمل معي تجاربي وتوقعاتي وصوري السابقة عن الحب والقرب والفقد. لذلك لا يظهر لي المحبوب في الحب عاريًا من كل تأويل؛ ذلك لأنني أراه وأفهم ما أراه في الوقت نفسه. وقد أصيب في هذا الفهم، وقد أسقط عليه ما ليس فيه، وقد أعود فأصحح فهمي له. فالحب لا يضمن صدق ما أراه، لكنه يجعل شيئًا ما يظهر لي على نحو لم يكن ليظهر بالطريقة نفسها من دونه.
ربما نستطيع الآن العودة إلى سؤال البداية: ما الحب؟ لقد بدأنا بالسؤال عما نحبه في (س)، ثم انتهينا إلى السؤال عما يحدث لنا وللعالم عندما نحب (س). وبين السؤالين تغير موضع البحث نفسه. لم نعد نفتش عن صفة أخيرة تختبئ في المحبوب، ولا عن عنصر خالص نسميه الحب، بل عن كيفية مخصوصة يصبح بها شخص بعينه ذا شأن في عالمنا، وكيف يمتد هذا الشأن إلى الأشياء والأمكنة والذكريات.
ليس الحب إذن مجرد استجابة لقيمة اكتشفناها في الآخر، ولا مجرد إسقاط لقيمة من ذواتنا عليه. بل هو بالأحرى حال وجداني ينكشف فيه الآخر والعالم على نحو مخصوص، من داخل تجارب وذكريات نحملها معنا، وتأويل لا نستطيع الاستغناء عنه. فحين أقول: “أحب (س)”، لا أقول شيئًا عن (س) وحده، بل أقول، في اللحظة نفسها، شيئًا عن الكيفية التي أصبح بها العالم عالمًا لي.
