2026-07-21
م. حمد الراشد
-قدمت في إحدى جلسات نادي القراءة الفلسفي بحائل.
تأثر أفلاطون (427 ق.م- 347 ق.م) بالفيلسوف بارمنيدس وميتافيزيقاه ونظريته في الوجود، وإذا كانت الفلسفة اليونانية في البدايات كان اهتمامها مركزا على الطبيعة والكون والنظرة للإنسان بانه جزء من الطبيعة فإن بارمنيدس (540 ق.م – 480 ق.م) اختلف في نظرته الطبيعية عن الفلاسفة الأول بأنه اول من تحدث عن تجريد ومفاهيم لمعرفة الوجود، وأول من فرق بين الحس والعقل وبالتالي مهد الطريق لفلسفة لاحقة تركز على الإنسان وعقله. ولذلك فإن أفلاطون أستوحى من بارمنيدس أفكارا مثالية فهو تلميذ غير مباشر لبارمنيدس وله محاورة عن فلسفة بارمنيدس، وفي هذه المحاورة التي أسماها (بارمنيدس) أدخل أفلاطون شخصية سقراط رغم أن ولادة سقراط كانت 470 ق.م أي بعد وفاة بارمنيدس بعشرة أعوام فقط مما يدل على ان سقراط لم يعاصر بارمنيدس وان أفلاطون في هذه المحاورة استخدم فلسفة سقراط للمقاربة وإيصال مثالية بارمنيدس. ثم بعد ذلك تتلمذ أفلاطون مباشرة على يد سقراط وشهد بنفسه كثيرا من محاورات سقراط حينها وهو صغير قبل ريعان الشباب، ولذلك يعتبر أفلاطون أفضل من كتب عن فلسفة ومنهج سقراط في الحوار ووثق أفكارا ومفاهيم ومواضيع عدة لدى سقراط لان التلاميذ الآخرين والمدارس الأخرى في زمن سقراط مثل (المدرسة الكلبية، المدرسة القورينائية، المدرسة الميجارية) لم تأخذ إلا بنظرة أحادية تتعلق بتعاليم أخلاقية ولم تأخذ بالمفاهيم والاسئلة المفتوحة التي أثارها سقراط حتى ان هذه المدارس سميت (أشباه السقراطيين)، وبالتالي فهؤلاء لم يهتموا بأسس المنهج السقراطي وتوثيقه كما فعل أفلاطون.
ونلاحظ بأن هناك اختلاف في مسميات وعناوين محاورات أفلاطون، وكذلك اختلاف في زمن كتابتها، وأيضا في محتوى المحاورات بناء على ما تم توثيقه وما تم تحقيقه لاحقا بعد أفلاطون، وأيضا اختلفت الترجمات لهذه المحاورات من لغة إلى أخرى، ولكن إذا راجعنا محاورات أفلاطون وجدناها تختلف في طرحها وفي محتواها من حيث مدى ارتباطها بسقراط ومدى قربها وبعدها عما قدمه سقراط من أفكار وفلسفة وحوارات، فمثلا في محاورة أوطيفرون وفي محاورة الدفاع نجد أفلاطون يكتب حرفيا ما لدى سقراط ويوثق ما جرى على لسان سقراط دون زيادة، فمحاورة أوطيفرون تتحدث عن الفضيلة وهي مفهوم أساسي لدى سقراط وما تستدعيه من مفاهيم وتعريف وتعلم، ومحاورة الدفاع تتحدث عن محاكمة سقراط وما جرى فيها من ناحيتين: دفاع سقراط وتفنيده للاتهامات الموجهة له أثناء محاكمته بحجج عقلية قوية ودحض تلك الاتهامات وإثبات انها متهافتة، ومن ناحية موقف سقراط الشجاع بعدم الهروب رغم إمكانية ذلك واحترام القانون والاستهانة بالموت. بينما نجد في محاورات أخرى مثل (فيدون، مينون، بروتاغوراس، …) نجد أفلاطون قد أضاف بصمته من خلال أفكاره وتحليله وفلسفته فزاد عما قاله سقراط وفي هذا النوع من المحاورات والتي نجد فيها بصمة وأثر أفلاطون اختلف الباحثون حول مدى ونسبة ما أضافه أفلاطون ومدى تأثيره على مجريات الحوار لدى سقراط ، وإذا أردنا التوضيح فإن محاورة فيدون تتحدث عن خلود النفس حيث يتفق أفلاطون مع سقراط بإثبات خلود النفس، وفي هذه المحاورة يضيف أفلاطون أفكارا وحججا أخرى لها علاقة بالمثل الخالدة التي طرحها كما انه يستثمر موقف استشهاد سقراط ويربطه من وجهة نظره بمسألة الخلود، وفي محاورة مينون يدور الحوار حول التربية والتعلم وتعريفات سقراط حول كيفية التعلم وهل يمكننا تعلم الفضيلة؟ كما يضيف أفلاطون في هذه المحاورة (مينون) أن التعلم هو تذكر عالم المثل قبل اتحاد النفس بالجسد بما يؤكد واقعية المثل حتى أن فلسفة أفلاطون سميت بـ (المثالية الواقعية)، وفي محاورة بروتاغوراس يوثق أفلاطون حوار سقراط مع السفسطائيين ودحض حججهم عن طريق إثبات العقل الكلي والكليات وإمكانية المعرفة والمعاني الكلية وليس كما ينفيها السفسطائيين أو كما يربطونها بالخطابة والمصالح المؤقتة باعتبار أنها في نظرهم نسبية مطلقة، وبالمثل في محاورة جورجياس إلا أن الموضوع بين المحاورتين يختلف حيث نجد في (جورجياس) حديث عن البيان والخطابة، وان المعرفة لا تؤخذ مباشرة من زخرفة الالفاظ، وفي مثل تلك المحاورات التي نلاحظ بها نسبية التوثيق أي نجد فيها ما يمثل سقراط في جوانب منها وجزئيا ما يمثل أفلاطون (أي أنها تجمع بين الفيلسوفين) فهي تحتاج دوما لمراجعة ودراسة نظرا لاختلاف القارئ والباحث حول ما تمثله الأفكار والمفاهيم لدى سقراط خاصة بمقابل ما لدى أفلاطون وما يتميز به. ولكن نجد في محاورات أخرى ومنها (الجمهورية، القوانين، بارمنيدس، طيماوس، كراتيليوس، ثياتيتوس، …) نجد أن تلك المحاورات تمثل أفكار وفلسفة أفلاطون بشكل كامل ومستقل سواء كانت عن الكليات ونظرية المثل او كانت عن الطبيعة والعلم او كانت عن الاخلاق والسياسة، حتى وإن كان بعض تلك المحاورات التي تمثل أفلاطون تحوي أجزاء حوارية على لسان سقراط وخاصة في بداياتها إلا ان تلك الأجزاء متخيلة وضعها أفلاطون قصدا تقديرا لأستاذه سقراط ولا تعني بانها جرت فعليا في وقت سقراط، ويمكننا بمقارنة المحاورات معرفة الفرق بين حوار حرفي تقليدي يمثل سقراط وحوار آخر يتبين من موضوعه انه ليس ضمن اهتمامات سقراط ، والسبب ان توجه سقراط ينصب بشكل أساسي لناحية الإنسان والنفس والمفاهيم والتعريفات دون أي تمحور حول الطبيعة او اللغة أو غيرها من مواضيع تعتبر خارج مشكلة الإنسان والنفس انطلاقا من مقولة سقراط في بداية تفلسفه وهي (اعرف نفسك). وأيضا لان هذه المحاورات المستقلة التي أشرنا إليها أخيرا تمثل ما طرحه أفلاطون من أفكار وفلسفة ونظريات وخاصة ما يتعلق بنظرية المثل التي وضعها أفلاطون وبينها في قصة الكهف، حدث ذلك من أفكار وفلسفة ونظريات لدى أفلاطون بعد استشهاد سقراط، أضف لذلك ما يتعلق أيضا بفلسفته السياسية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية، ومثالية المدن الفاضلة والتراتب الارستقراطي.
وبناء على كل ما سبق من اختلافات ومراجعات للمحاورات يسرني أن أقدم فكرة حول تصنيف محاورات أفلاطون حيث سأتخذ معيارا جديدا موضوعيا ومفيدا وأرى بان هذا المعيار يستحق الاهتمام: هذا المعيار هو مدى التزام أفلاطون في المحاورات التي كتبها بفلسفة وحوارات سقراط الفعلية في حياته، وهل أضاف أفلاطون لتلك المحاورات ولو جزئيا أو نسبيا؟ وبالتالي، هل قدم أفلاطون في محاوراته أفكارا جديدة لم يطرحها سقراط في حواراته التي شهدها أفلاطون أثناء حياة استاذه؟ وعلى ذلك وبتطبيق هذا المعيار رأيت أن تصنف محاورات أفلاطون كما يلي:
وبعد شرحنا للمعيار والتصنيف يمكننا أن نضع جدولا بمحاورات أفلاطون يوضح موضوع كل محاورة وكيف تم تصنيفها بتطبيق هذا المعيار:
| المحاورة | موضوعها | التصنيف |
| أوطيفرون | الفضيلة: مفهومها وتعريفها وتعلمها، وأن العلم فضيلة والجهل رذيلة | توثيق كامل |
| الدفاع وأقريطون | محاكمة سقراط ودفاعه بحجج عن نفسه وشجاعته واحترامه القانون | توثيق كامل |
| فيدون | خلود النفس | توثيق نسبي |
| مينون | التربية والتعلم والتذكر
|
توثيق نسبي |
| بروتاغوراس | حوار السفسطائيين، ودحض حججهم
|
توثيق نسبي |
| المأدبة | فلسفة الحب والحب الأفلاطوني | توثيق نسبي |
| جورجياس | فن البيان والخطابة | توثيق نسبي |
| المحاورة | موضوعها | التصنيف |
| فيليبوس | اللذة والمتعة | توثيق نسبي |
| الجمهورية | فلسفة السياسة والمدينة الفاضلة ونظام المجتمع والدولة | استقلالية تامة |
| القوانين | الحياة المدنية والاجتماعية والتشريع والدستور | استقلالية تامة |
| كراتيليوس | في نشأة وطبيعة اللغة وفلسفة اللغة
|
استقلالية تامة |
| طيماوس | في الطبيعة والفلك والكون، وعلاقة ذلك بالتصورات والالهيات | استقلالية تامة |
| ثياتيتوس | عن العلم وتعريفه وشروطه، والفرق بين الظن والتجربة والاستدلال والبراهين والمعرفة المباشرة | استقلالية تامة |
| بارمنيدس | مفهوم الوجود والوجود الحقيقي، وأثناء المحاورة يربط أفلاطون هذا المفهوم بنظرية المثل لديه | استقلالية تامة |
حمد عبد الرحمن الراشد
عضو مجلس إدارة جمعية الفلسفة
(فعالية نادي القراءة الفلسفي في بيت الثقافة بحائل)
ملخص مقدم من صاحب الفكرة أثناء جلسة (مختارات من محاورات أفلاطون)
تاريخ الجلسة: 17 يونيو 2026م
