2026-01-24

سوف نطور عوالمًا وكائنات بقوى تفوق قوانا، كيف لنا الاستفادة منها على أفضل وجه؟
١٨ يونيو، ٢٠١٩
على مدى العقدين الماضيين، أكد الفيلسوف ديفيد تشالمرز David Chalmers حضوره كمفكر رائد في موضوع الوعي. بدأت حياته الأكاديمية في مجال الرياضيات بيد أنه انتقل بعد ذلك شيئًا فشيئًا إلى علم الإدراك المعرفي Cognitive Science وفلسفة العقل Philosophy of Mind. وصل في النهاية إلى جامعة إنديانا حيث يعمل تحت إشراف دوغلاس هوفستادتر Douglas Hofstadter، صاحب الكتاب المؤثر “جودل، وإيشر، وباخ: الضفيرة الذهبية الخالدة” الذي نال بفضله جائزة بوليتزر Pulitzer Prize. في عام ١٩٩٦، نشر تشالمرز أطروحته “نحو نظرية للوعي” في كتابه الأول “العقل الواعي” ما نشَّطَ النقاش الفلسفي حول الموضوع. ربما كانت “مشكلة الوعي الصعبة” هي المساهمة الفلسفية الأكثر ذيوعًا له والمعنية بفهم الخبرة الذاتية، أي تلك الصور والمشاهد الداخلية التي تتوارد وتتوالى في كل عقل بشري، والتي على حد تعبير تشالمرز: “ستستمر في تواردها حتى بعد أن تستنفذ كل ما يتعلق بها”.
حاليًا، بين يدي تشالمرز مشروع كتابٍ حول إشكاليات المستقبل التكنولوجي Technological Future الذي نقترب منه بسرعة: الواقع الافتراضي، والتحميل الرقمي للوعيDigitally Uploaded Consciousness، والذكاء الاصطناعي وغير ذلك. التقيت ديفيد تشالمرز في مكتبه بجامعة نيويورك لمناقشة هذا المستقبل، وكيف لنا أن نتعامل معه.
راماكريشنا: الذكاء العام الاصطناعي (A.G.I)، هو نظام قادر، تمامًا مثلنا، على أداء مهام غير محددة بشكل مستقل تتعلق بمشاكل أو سياقات محددة كالمحادثة، والتعليل المنطقي، والتعلم بالتجربة وما إلى ذلك، تمامًا كما في الشخصية الشهيرة هال ٩٠٠٠ ( HAL 9000) من فيلم الخيال العلمي ملحمة الفضاء (A Space Odyssey: 2001) فهل حقًا أن الذكاء العام الاصطناعي قابل للتحقق؟ وإذا كان كذلك، فهل تبدو محادثتنا الحضارية هذه حوله قيِّمة بما يكفي؟
ديفيد تشالمرز: أعتقد في إمكانية تحقق الذكاء العام الاصطناعي. هناك من يدفع به للأمام، يعتقدون أننا على بُعد قاب قوسين من تحقيقه؛ يرونها في غضون 10 أو 20 عامًا. لستُ واثقًا من ذلك، لكن هناك الكثير من التقدم اللافت مؤخرًا في مجال التعلم العميق Deep Learning، والذي يركز على طرق البحث عن الأنماط في البيانات الأولية.
لقد بلغ التعلم العميق مستوى رائعًا، يضارع المستوى البشري، فيما يتعلق بالأفعال الإدراكية كالتعرف على الصور والتعرف على الكلام وما إلى ذلك. ولكن عندما يتعلق الأمر بما يتطلب الاستقلالية والتعليل المنطقي واتخاذ القرار والإبداع وما إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي جيد، إنما بشكل محدود. إنه جيد جدًا في لعب الألعاب كلعبة جو Go وغيرها. إلا أنه في اللحظة التي نصل فيها إلى العالم الحقيقي، تصبح الأمور معقدة. علينا تخطي العديد من الشواهق قبل أن نصل إلى ذكاء عام بمستوى ذكاء الإنسان. ومع ذلك، أعتقد أن إمكانية تحققه قد تكون في الإطار الزمني المحصور ما بين 40 إلى 100 عام.
بمجرد أن يتحقق الذكاء المعادل للذكاء البشري، حتمًا سيُغيرُ العالم. في البداية ستحوز الكائنات الذكية على قوى تعادل قوانا، وبعد ذلك ستتفوق عليها. لذلك، فأنا اتفق مع من يشدد على حاجتنا إلى التفكير مليًا في كيفية تصميم الذكاء الخارق من أجل تحقيق أقصى قدر من المنفعة.
ما مدى أهمية هذه المحادثة؟ أجد أن هناك المزيد والمزيد من النقاش بين الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي لجعله مفيدًا على المدى القصير ومتسقًا مع مستقبل جيد للبشرية على المدى البعيد.
راماكريشنا: لفت انتباهي أنك استخدمت كلمة “كائنات” في حديثك. فهل تضع الذكاء العام الاصطناعي على قدم المساواة مع الوعي؟
تشالمرز: أود التمييز بين الذكاء والوعي، فالذكاء يتعلق بالقدرات السلوكية لهذه الأنظمة: ما الذي يمكنها فعله، وما المخرجات التي يمكنها إنتاجها مقارنةً مع مدخلاتها. بالنظر إلى بعض المشاكل والأهداف، عندما يتعلق الأمر بالذكاء، فإن السؤال المركزي هو: هل يمكنك التوصل إلى الوسائل الصحيحة لتحقيق أهدافك؟ إن استطعت، فهذه هي السمة المميزة للذكاء. بينما الوعي هي مسألة خبرة ذاتية. أنا وأنت لدينا ذكاء، ولدينا أيضًا الذاتية (الأنا)؛ نشعرُ وكأن شيئًا في داخلنا أثناء تجاربنا. هذه الذاتية، الوعي، هي ما يجعل لحياتنا مغزى، وتمنحنا مكانة أخلاقية كبشر.
راماكريشنا: على الرغم من أن الوعي يمكن وصفه على أنه ظاهرة عارضة قابلة للاستنساخ تنتج عن نظام مناسب لمعالجة المعلومات والمزود بهياكل تمثيلية ملائمة، إلا أنه سيكون هناك دائمًا خط ضبابي يفصل تلك الأفعال التي تبدو “ظاهريًا” أنها مدفوعة بالخبرة الذاتية من الأفعال التي تحفزها “فعليًا” الخبرة الذاتية. إذا كانت التزاماتنا الأخلاقية تجاه الأشياء مهمة بقدر ما تكون هذه الأشياء واعية، فكيف علينا أن نتعامل مع التزاماتنا الأخلاقية المبهمة بطبيعتها تجاه الذكاء الاصطناعي؟
تشالمرز: هذا إشكال فلسفي قديم يتعلق بالعقول الأخرى: فأنا على علم بأن لدي عقل، لكن كيف لي أن أعرف ما إذا كان شخصًا آخر أو نظامًا آخر بشكل عام لديه عقل أم لا؟ يقول ديكارت، “أنا أفكر، وهذا هو الشيء الوحيد الذي أنا متيقن منه. إذن، أنا موجود”. ولكن عندما يتعلق الأمر بالآخرين وأجهزة الحاسب الآلي، فلن تكون لديك هذه الدرجة من اليقين.
ما المعيار هنا؟ هل مجرد القيام بأشياء متطورة كافية لإقناعنا بأن ذلك النظام واعي؟ مثلاً الفوز بلعبة جو، بالتأكيد ليس كذلك. قد تكون القدرة على إجراء محادثة ذكية بداية جيدة. والأهم إن استطاع الذكاء الاصطناعي أن يصف لنا حالات وعيه الخاص، قائلاً: “أشعر بالألم الآن. لدي احساسٌ بالوجع أو بالسعادة أو بالحزن”. ولكن الأهم من ذلك هو تعبيره عن شعوره ببعض الحيرة في حالاته العقلية، كأن يقول: “أعلم بشكل موضوعي أنني مجرد مجموعة من دوائر السيليكون، لكنني من الداخل أشعر بأنني أكثر من ذلك بكثير”.
راماكريشنا: قد يرى البعض أنه إن تأكد من وعيه الشخصي، وبالنظر إلى أن هناك درجات متفاوتة من التشابه بينه وبين الكائنات الأخرى ذوات الوعي المحتمل، فيمكنه أن يحكم باحتمالية وعي تلك الكائنات.
تشالمرز: بالنسبة لي، لفهم الأمر بوضوح عليك التفكير فيه وكأنك تحول نفسك تدريجيًا إلى كائن ذكي اصطناعيًا. كيف ذلك؟ بالتحميل التدريجي Gradual Uploading: استبدل خلاياك العصبية تدريجيًا، واحدة تلو الأخرى، بأجزاء من الحاسب الآلي أو بتحميلها فيه. أي ابدأ كنظام بيولوجي كامل، ومن ثم تحول لنظام بثلاثة أرباع بيولوجيا، وربع سيليكوني، ثم مناصفة بينهما، ثم ربع بيولوجي وثلاثة أرباع سيليكوني، وأخيراً ستصبح نظامًا سيليكونيا كاملاً. إذا انتهيت من هذه العملية بأكملها بدون أي عيب أو خلل وظيفي، فستبقى أنت كما أنت حتى النهاية، ستقول عندئذ، “نعم، ما زلت أنا كما أنا”، لكن ان اعتبرت هذا دليلاً، فهو دليلٌ لك وحدك؛ فلا يزال بإمكان شخص آخر أن يقول لك: “أعتقد أنك تحولت إلى زومبي”.
راماكريشنا: يمكن للمرء أن يتخيّل بأنه لا يتحوّل إلى مجرد كائن من الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يندمج دون الحاجة لإتلاف شيء من تركيبتنا. لعله في المستقبل عندما تتعزز قوانا بالذكاء الاصطناعي، بحيث يملك الجميع قوة حوسبة كاملة، وذاكرة مثالية، وقدرة مطلقة على تخليق المعرفة وتطبيقها، هل ترى وقتئذ أن التعاون سيصبح ضرورة مُلزمة؟ بحيث لن يكون هناك، في نهاية المطاف، أي عقبة سوى التعاون مع الكائنات الذكية اصطناعيًا لحل المشاكل المتعلقة برفاه الإنسان؟
تشالمرز: نأمل أن نجد، بكل يسر، حلاً مناسبًا لتغير المناخ. وبعد ثلاثين ثانية، نصل إلى تسويةٍ للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟ لعلها المسألة الأصعب من بينهما. نحن، جميعنا، نتصرف بغير رشد ولا عقلانية. بعض هذه التصرفات مرتبطة بأهدافنا؛ فأنا أرى هدفي عقلاني، وأنت ترى هدفك عقلاني. في الأغلب يكمن الحل في التنازل عن الرغبة الأولى والرضا بالثانية، أو الثالثة، وما إلى ذلك. ومع ذلك، فإن الإنسان ليس متمرسًا في قبول هذا النوع من الحلول. ربما سنحتاج إلى نمط ونموذج جديد تمامًا لتسوية خلافاتنا، ولإيجاد أهداف يمكننا تعميمها على الجميع. لكن هذا الأمر يتجاوز الذكاء العملي البسيط إلى ما هو أكثر من ذلك، إلى ذكاء تأملي كالتفكير في معرفة ما يجب أن تكون عليه أهدافنا.
اعتقد إيمانويل كانط أن الأخلاق جزء من العقلانية. لذا هناك فكرة أن الذكاء الاصطناعي الخارق سيتحول إلى شخص أخلاقي فائق، وأنه في النهاية سيتحول إلى كائن كانطي لا يستهدف سوى ما هو قابل للتعميم على الجميع. هذه نظرة تحمل الكثير من التفاؤل لما سيؤول إليه الذكاء الاصطناعي.
راماكريشنا: بين فكرة الكائن الكانطي وبين فكرة أننا نخترع وسائل وأدوات زوالنا، أين يقع مفهومك الخاص عن المستقبل؟
تشالمرز: أُقدِّر التاريخ البشري وأود بكل أنانية أن يستمر إلى المستقبل. لكن، ما أهمية أن يبقى مستقبلنا بيولوجيًا؟ في مرحلة ما أعتقد أنه علينا مواجهة حقيقة وجود العديد من الركائز الأسرع من ركائزنا البيولوجية لتفعيل الذكاء. إذا أردنا التمسك بأدمغتنا البيولوجية، فنحن في خطر التخلف عن الركب في عالم ذي أجهزة حاسب آلي فائقة السرعة وذكية. في النهاية، علينا أن نتطور.
الطريقة الأخرى التي قد تسير بها الأمور هو أن يسيطر الذكاء الاصطناعي الجديد على العالم وينتهي وجود الإنسان. ربما نهبط إلى العالم الافتراضي أو جزء معين من العالم المادي. لكنك على حق، سيكون وجودًا من الدرجة الثانية. على الأقل ربما يبقوننا في الجوار كحيوانات أليفة أو للترفيه أو من أجل التاريخ. بالتأكيد، إنها نهاية محبطة. وربما فعلاً هم وضعونا في عوالم افتراضية، لن نعرف أبدًا، ولن نذكر شيئًا. ربما حدث ذلك بالفعل ونحن نعيش في أحد تلك العوالم الافتراضية الآن. مهلاً، إنها ليست سيئة جدًا!
راماكريشنا: لعلها اللحظة المناسبة لتحديد ماهية الواقع الافتراضي، فهناك طرقًا متعددة لاستخدام كلمة “افتراضي”.
تشالمرز: تعني كلمة “افتراضي” في الأصل “مزيف” أو “كأنه”: ربطة العنق الافتراضية “كأنها” ربطة عنق حقيقية. على مر السنين، تطورت الكلمة، الآن تعني شيئًا مثل “مُنتج حاسوبي”.
راماكريشنا: بتعبير أدق، ما التوصيف الوظيفي للواقع المُناظر للواقع الافتراضي؟
تشالمرز: أعتبر سؤالك، إذا كان بإمكاني إعادة صياغته: بأي معنى يكون الواقع الطبيعي مُتحققًا، أي يمكن أن يُشار إليه بأنه حقيقي، وهل يمكن للواقع الافتراضي أن يتحقق بالطريقة نفسها؟ إنه سؤال فلسفي رائع. قال جورج بيركلي، الفيلسوف الأيرلندي الكبير: “الوجود إدراك”، أي لكي يوجد الشيء لا بد من إدراكه. إذا كان هناك شيء يشبه البطة، ويبدو [لإدراكنا] وكأنه بطة وما إلى ذلك، فهو بطة. هذه المدرسة المثالية في الفلسفة: العالم كله في ذهنك.
ومع ذلك، فإن الرأي السائد هو أن الواقع خارج ذهنك. ولكي تكون حقيقيًا، فأنت بحاجة إلى أكثر من مجرد مَظهر؛ تحتاج إلى بعض القوى أو الإمكانات. قال الفيلسوف الأسترالي الكبير صموئيل ألكسندر: “أن تكون حقيقيًا يعني أن تملك قوة/سلطة سببية Causal Powers” أي أن تكون قادرًا على إحداث فَرقٍ بالفعل. قال فيليب كيه. ديك ذات مرة: “الشيء الحقيقي هو ذاك الذي لا يختفي عندما تتوقف عن الإيمان به”. فإذا كان لديك شيء مستقل عن ذهنك، وله قوة/سلطة سببية، ويمكنك إدراكه بكل هذه الطرق، فأنت بالنسبة لي أقرب إلى كائنٍ حقيقي.
من حيث المبدأ، الأشياء في الواقع الافتراضي لها كل تلك الخصائص. فلو كنت في عالم افتراضي، فستجد أن هناك أشياء من حولك يمكنك إدراكها. فهناك يمكن أن تسقط شجرة افتراضية، حتى لو لم تكن أنت موجودًا حولها. والشجرة الافتراضية نفسها لها قوى سببية، إذ يمكن أن يؤدي سقوطها إلى ما يُعتبر خبرة عند الإنسان، فقد تكسر الشجرة أثناء وقوعها شيئًا ما وبذلك يمكن للإنسان أن يختبره ويعاينه. وعليه، فإن الواقع الافتراضي هو مجرد شكل مختلف من أشكال الواقع، لكنه لا يزال حقيقيًا تمامًا.
راماكريشنا: إذاً لمَ الاعتقاد السائد يخالف رأيك تمامًا، أي أن الواقع الافتراضي ليس أكثر من خيال مُجسِّد للواقع؟
تشالمرز: يعود هذا إلى وقت طويل في تاريخ الفلسفة. فرينيه ديكارت يتساءل: “كيف لك أن تعرف أنك لست الآن واقعًا تحت خديعة شيطان خبيث يصوّر لك أن هذا [الواقع الذي تعيشه] حقيقي بينما لا شيء [منه] حقيقيًا؟” سؤال ديكارت الشيطاني يشبه إلى حد ما مسألة الواقع الافتراضي. النسخة الحديثة منه هي: “كيف تعرف أنك لست مُحتوىً ضمن مصفوفة؟ كيف لك أن تتأكد أنك لست في محاكاة حاسوبية حيث يبدو كل هذا حقيقيًا، ولكن لا شيء منه حقيقيًا؟” من السهل حتى على فيلم مثل المصفوفة The Matrix أن يبث فيك الإحساس بأن “هذه خدعة. هذا ليس حقيقياً، هذا كله مُزيف”.
نجمت وجهة النظر القائلة بأن الواقع الافتراضي ليس حقيقيًا من وجهة نظر عفا عليها الزمن. في جنة عدن، اعتقدنا أن هناك تفاحة حمراء طبيعة واقعة في محيط طبيعي وكل شيء حقيقي تمامًا كما يبدو. لكن العلوم الحديثة علمتنا أن العالم ليس كذلك حقًا. اللون هو مجرد مجموعة من الأطوال الموجية الناشئة عن خصائص الانعكاس الفيزيائي للأشياء والتي بدورها تولد نوعًا معينًا من الخبرة فينا. ما الصلابة؟ لا يوجد شيء صلب حقًا في العالم. الأشياء في الغالب فارغة، لكنها تحتوي على القوى السببية لإنتاج خبرة الصلابة فينا. حتى مفهومي المكان والزمان يُحوَّرُ معناهما تدريجياً من قبل الفيزياء، أو على الأقل يُختصرا إلى شيء أبسط.
حاليًا، أصبح الواقع المادي يشبه إلى حد كبير الواقع الافتراضي. يمكنك أن تتبنى الموقف القائل: “إنه أسوأ بكثير من الواقع المادي. إنه ليست حقيقيًا”. لكنني أعتقد عكس ذلك. اتضح أننا مجمعين على فكرة: “حسنًا، الأمور ليست بالطريقة التي فكرنا بها مُسبقًا، لكنه يبقى حقيقيًا”. يجب أن يكون هذا هو الموقف الصحيح تجاه الواقع الافتراضي أيضًا، فالأكواد البرمجية والدوائر السيليكونية ليست سوى مجرد ركيزة أساسية Underlying Substrate أخرى من ركائز الواقع. هل الأمر بذاك السوء أن نكون ضمن واقع مُنتَج بواسطة الحاسب الآلي أكثر مما تخبرنا به الفيزياء الحديثة؟ كأن تعمل الموجة الكمومية بقيم غير محددة؟ يبدو هذا أثيريًا وغير جوهري مثل الواقع الافتراضي. لكن مهلا! نحن معتادون على ذلك.
راماكريشنا: أتساءل عما إذا كان من المفيد القول إن الواقع الافتراضي ليس مجرد واقع بديل، ولكنه بالأحرى واقع فرعي للواقع الذي نشغله عادةً.
تشالمرز: أعتقد أن هذا يمكن فهمه على أنه نوع من الأكوان المتعددة. نحن لا ننكر الحقيقة الموضوعية، فلربما هناك كون موضوعي يشمل كل ما هو موجود. وقد يكون هناك كون في المستوى الأول يخلق الإنسان كمحاكاة وحقائق افتراضية بداخله. وأحيانًا قد تكون هناك عمليات محاكاة فرعية بداخل تلك العمليات. من يدري كم عدد المستويات الموجودة؟
لقد تكهنت ذات مرة أننا في المستوى 42. تذكر أنه في فلم الخيال العلمي “دليل المسافر إلى المجرة” The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy (2005) قاموا ببرمجة الحاسب الآلي للعثور على إجابة للسؤال النهائي للحياة والكون وكل شيء. ثم، بعد سنوات، أجابهم الحاسب الآلي: “الإجابة هي 42”. ما هو السؤال الذي يمكن أن يكون مهمًا بما يكفي بحيث يمكن أن يكون هو السؤال النهائي ويمكن أن تكون الإجابة عليه برقم بسيط؟ حسنًا، ربما كان السؤال: “في أي مستوى من الواقع نحن نعيش فيه؟”.
راماكريشنا: هل تتخيل هذه العوالم الافتراضية وكأنها تتبع دورات فريدة من التاريخ الخاص بها؟ كنظم سياسية وثقافية وما إلى ذلك؟ حدسي يقول إنها كذلك.
تشالمرز: فعلاً بعض العوالم الافتراضية تُعيد تاريخ الفلسفة السياسية في مسيرتها. فالنظم إما أن تكون بسلطة فردية أو ديموقراطية، ولم تبدأ الأنظمة تعمل على أساس تعدد المستخدمين إلا في أوائل التسعينيات. فهناك مَن طوَّر النظام، والذي قد يُعتبر بمثابة صاحب السلطة الأوحد. ثم تطور الأمر فعيَّن مجموعة من المستخدمين فتشكلت الطبقة الأرستقراطية في النظام. إلا أن هؤلاء المستخدمين لم يرغبوا في تلك السلطة الممنوحة لهم، لذلك حولوا سلطتهم إلى الصيغة الديموقراطية. معظم العوالم الافتراضية الموجودة الآن هي تحت سلطة الشركات التي تملكها وتحكمها في آن، كما هو الحال في شركة ليندين لاب Linden Lab التي تملكها الشبكة الاجتماعية سكند لايف Second Life، على سبيل المثال.
راماكريشنا: هذه مشكلة في حد ذاتها، أصبحت ملكية الواقع المادي ديمقراطية، فلا يوجد زعيم أعلى يمكنه التحكم فيه أو تغيير قواعده بشكل تعسفي. أليس الافتقار إلى الملكية الديمقراطية خطرًا جسيمًا على العوالم الافتراضية؟
تشالمرز: رغم أن العديد من العوالم الافتراضية تتجه للمنحى الديموقراطي، إلا أنها بالفعل تُعد مشكلة. لا أعرف إذا ما كان ينبغي علينا التفكير في الأمر بهذه الطريقة:” أنت تختار عالمك الافتراضي لتبقى عالقًا فيه تحت إدارة الشركة الوحيدة المالكة”. لكنه من المرجح أننا نجزئ ونغير بين العوالم الافتراضية بانتظام؛ سيكون هناك عالم افتراضي خاص بعملك، وآخر للترفيه وعالم مختلف للتعليم. لن يدير أحد بمفرده الفضاء الإلكتروني، وهو مصطلح وليام جيبسون للواقع الافتراضي ككل.
راماكريشنا: أخيرًا، أتساءل بشأن اعتقادك عن احتمالية تحقق انتقالة على نطاق حضاري من الواقع المادي إلى الواقع الافتراضي في نهاية المطاف. لقد تحدثنا عن الذكاء الاصطناعي، والتحميل الرقمي، وعن الذوات المحملة رقميًا التي تعيش في الواقع الافتراضي، وذكرنا الحدود العابرة بين الواقع المادي والواقع الافتراضي. فهل سيأتي اليوم الذي نطفئ فيه أنوار عالمنا هذا؟
تشالمرز: لا أتوقع ذلك. أفترض أن الواقع المادي هو حقيقة من المستوى الصفري الذي يحوي دائمًا على موارد يمكن العثور عليها. أظن أننا سنحتاج دائمًا إلى المزيد والمزيد من الموارد. “دعونا نفجر الشمس ونستخدمها لتشغيل أجهزة الحاسب الآلي لدينا. أوه انتظر، هذا لا يكفي! سنحتاج إلى الذهاب إلى مكان آخر عبر المجرة”. من السهل تخيل سباق تسلح تكنولوجي يتعلق بالموارد. يتطلب مثل هذا الحدث بطريقة ما الوصول إلى العالم الخارجي.
ما يمكنني تخيله بسهولة هو إمكانية أن يعيش ٩٩٪ من السكان في العالم الافتراضي، خاصة إذا أصبح العالم المادي بائسًا. فبعد التدمير النووي أو تغير المناخ الرهيب سيكون العالم الافتراضي أهم وأيسر. قد يكون هناك بعض التوق للعالم المادي، وسيوجد دائماً أناسٌ يحبون التواجد في عالم المستوى الصفري، تمامًا كالأشخاص الذين يحبون العيش في المدن والذين يحبون العيش في القُرى. لدينا مجتمع متحضر بشكل متزايد الآن، لكن هذا لا يعني أن الجميع يعيش في المدينة. ربما ستصبح حياتنا أكثر افتراضية. لكن هذا لا يعني أن الجميع سينتقل إلى ذاك الواقع.
لا أعتقد أن العوالم الافتراضية ستنهي مشاكل الإنسان؛ تمامًا كالإنترنت الذي أتى بأشياء رائعة، كما جاء بأخرى مروعة. أتوقع أن تحتوي تلك العوالم مجمل شروط العيش الإنساني. بهذا المعنى، ستكون على الأقل على قدم المساواة مع الواقع المادي. ربما لن نعدم الوسائل المميزة التي تُحسن الواقع الافتراضي وتجعل منه مكانًا أفضل للحرية والعدالة. أو ربما لن نفعل. لكنني، وعلى أقل تقدير، أعتقده مستقبلاً مُمتدًا ومدهشًا.
المحاور: طالب في جامعة نيويورك في الرياضيات التطبيقية وعلوم الحاسب الآلي. نُشرت أعماله مؤخرًا في مجلة ذا بليفر The Believer magazine.
المترجم: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
المُراجع: مترجم ومؤلف سعودي.
.There’s Just No Doubt That It Will Change the World”: David Chalmers on V.R. and A.I”
Prashanth Ramakrishna
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
